فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الرسول لزيد بالفارسية: ما المها والعين؟ فقال له بالفارسية: كاوان أي البقر؛ فأمسك الرسول. وقال زيد للنعمان:
إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أنّ هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين عنده، ثم كتب إلى كسرى:
إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عند الملك. فلما رجعا إلى كسرى؛ قال زيد للرسول الذي قدم معه: اصدق الملك عما سمعت، فإني سأحدّثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه. فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه إليك، فقرأه عليه. فقال له كسرى: وأين الذي كنت خبّرتني به؟ قال: قد كنت خبّرتك بضنّتهم بنسائهم على غيرهم، وإنّ ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشّبع/ والرّياش، وإيثارهم السّموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمّونها السّجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عمّا قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به. قال للرسول: وما يقال! أيها الملك، إنه قال: أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا، فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، لكنّه لم يزد على أن قال: ربّ عبد قد أراد ما هو أشدّ من هذا ثم صار أمره إلى التّباب. وشاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان، وسكت كسرى أشهرا على ذلك.
استجارة النعمان بسادات العرب ثم تسليمه نفسه لكسرى
وجعل النعمان يستعدّ ويتوقّع حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك حاجة إليك، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه، ثم لحق بجبلي طيء وكانت فرعة [1] بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلا وامرأة، وكانت أيضا عنده زينب بنت أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيّئا على أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه، وقالوا له: لو لا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به. وأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد منهم يقبله، غير أنّ بني رواحة بن قطيعة بن عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك، لمنّة كانت له عندهم في أمر مروان [2] القرظ، قال: ما أحبّ أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى. فأقبل حتى نزل بذي [3] قار في بني شيبان سرا، فلقي هانيء بن قبيصة، وقيل بل هانيء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل/ بن شيبان، وكان سيدا منيعا، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد [4] ذي الجدّين، وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلّة [5] ، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا يمنعه مما يمنع منه نفسه.
وقال حمّاد الرواية في خبره: إنه إنما استجار بهانيء كما استجار بغيره فأجاره، وقال له: قد لزمني ذمامك وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل، وإنّ ذلك غير نافعك لأنه مهلكي
[1] كذا في «تاريخ الطبريّ» قسم 1 ص 1027 و «شعراء النصرانية» و «الأغاني» طبع بولاق ج 20 ص 13، وفي ا، م: «قرعة» بالقاف والراء. وفي ب، س: «قزعة» بالقاف والزاي.
[2] هو مروان بن زنباع العبسيّ، أضيف إلى القرظ لأنه كان يغزو اليمن وبها منبته، أو لأنه كان يحمي القرظ لعزته. ويضرب به المثل في العزة فيقال: «أعز من مروان» .
[3] ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط، وفيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس.
[4] كذا في في «تاج العروس» في مادة «جدد» و «تاريخ الطبريّ» قسم 1 ص 1208 و «الكامل» لابن الأثير ج 1 ص 356 وفي جميع الأصول: «خلد» بدون ألف.
[5] الأبلة: بلدة على شاطىء دجلة في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة، وكانت مدينة فيها مسالح وقائد من قبل كسرى.