فإني أتخوف أن تنتزعني سعد والرّباب منه، فضمن له مئة من الإبل، وأرسل إلى بني الحارث، فوجهوا بها إليه، فقبضها العبشميّ، فانطلق به إلى الأهتم، وأنشأ عبد يغوث يقول:
أأهتم يا خير البرية والدا ... ورهطا إذا ما الناس عدّوا المساعيا
تدارك أسيرا عانيا في بلادكم ... ولا تثقفنّي [1] التيم ألقى الدواهيا
فمشت سعد والرّباب فيه. فقالت الرباب: يا بني سعد، قتل فارسنا ولم يقتل لكم فارس مذكور، فدفعه الأهتم إليهم، فأخذه عصمة بن أبير [2] التيميّ، فانطلق به إلى منزله، فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قتلة كريمة.
فقال له عصمة: وما تلك القتلة؟ قال: اسقوني الخمر، ودعوني أنح على نفسي، فقال له عصمة: نعم. فسقاه الخمر، ثم قطع له عرقا يقال له الأكحل، وتركه ينزف، ومضى عنه عصمة، وترك مع ابنين له، فقالا: جمعت أهل اليمن وجئت لتصطلمنا، فكيف رأيت اللّه صنع بك؟ فقال عبد يغوث في ذلك:
قصيدة عبد يغوث المشهورة
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم نفع ولا ليا
/ ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا [3]
فيا راكبا إما عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا [4]
/أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضرموت اليمانيا
جزى اللّه قومي بالكلاب [5] ملامة ... صريحهم والآخرين المواليا
ولو شئت نجّتني من الخيل نهدة ... ترى خلفها الحوّ [6] الجياد تواليا
ولكنني أحمي ذمار أبيكم ... وكان الرماح يختطفن المحاميا
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترا [7] قبلي أسيرا يمانيا
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوّا عليه وعاديا
أقول وقد شدّوا لساني بنسعة ... أمعشرتيم أطلقوا لي لسانيا [8]
[1] ثقفه: ظفر به.
[2] ف: أثير.
[3] الشمال: الخلق، يريد شمائلي.
[4] عرضت: أتيت العروض، وهي مكة والمدينة وما حولهما.
[5] الكلاب، بضم الكاف: اسم موضع كانت فيه الموقعة، قال البكري: وهو قدة بعينها، أعلاه مما يلي اليمن، وأسفله مما يلي العراق.
[6] النهدة: المرتفعة. والحو من الخيل: التي تضرب إلى الخضرة، وإنما خص الحو، لأنه يقال إنها أصبر الخيل وأخفها عظاما إذا عرقت لكثرة الجري.
[7] قال ابن السيد: قوله «كأن لم ترى» : رجوع من الإخبار إلى الخطاب. ويروي على الإخبار، وفي إثبات الألف وجهان: أحدهما: أن يكون ضرورة. والثاني: أن يكون على لغة من قال «راء» مقلوب «رأي» . فجزم، فصار «ترأ» ، ثم خفف الهمزة، فقلبها ألفا، لانفتاح ما قبلها: وهذه لغة مشهورة.
[8] ف: من لسانيا. والنسعة: سير منسوج. وفي شد اللسان بها قولان: الأول: أن هذا مثل، لأن اللسان لا يشد بنسعة، وإنما أراد: