قالوا: وكان الضّيزن صاحب الحضر يلقّب السّاطرون، وقال غيرهم: بل السّاطرون صاحب الحضر كان رجلا من أهل باجرمى [1] واللّه أعلم أيّ ذلك كان. هذا خبر صاحب الحضر الذي ذكره عديّ.
وأما صاحب الخورنق فهو النعمان بن الشّقيقة، وهو الذي ساح على وجهه فلم يعرف له خبر، والشقيقة أمه بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. وهو النعمان بن امرىء القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن الضّخم اللّخميّ، وهو صاحب الخورنق، فذكر ابن الكلبيّ في خبره الذي قدّمنا ذكره ورواية عليّ بن الصبّاح أياه عنه: أنه كان سبب بنائه الخورنق أنّ يزدجرد بن سابور كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدلّ على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور بن يزدجرد إلى النعمان بن الشقيقة، وكان عامله على أرض العرب، وأمره بأن يبني الخورنق مسكنا له ولابنه وينزله إياه معه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له «سنمّار» فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله، فقال: لو علمت أنكن توفوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقّه، لبنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فقالوا: وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه! أمر به فطرح من أعلى الجوسق [2] . وقال: في بعض الروايات أنه قال له: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال/ له: أما واللّه لا تدلّ عليه أحدا أبدا، ثم رمي به من أعلى القصر، فقالت الشعراء في ذلك أشعارا كثيرة منها قول أبي الطّمحان القينيّ:
جزاء سنمّار جزوها [3] وربّها ... وبالّلات والعزّى جزاء المكفّر
ومنها قول سليط بن سعد [4] :
جزى بنوه أبا الغيلان [5] عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار
وقال عبد العزّى بن امرىء القيس الكلبيّ - وكان أهدى إلى الحارث بن مارية الغسّانيّ أفراسا، ووفد إليه فأعجب به واختصّه، وكان للملك ابن مسترضع في بني عبد ودّ من كلب فنهشته حيّة، فظنّ الملك أنهم اغتالوه، فقال لعبد العزّى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعل [6] ، فقال:
لتأتينّى بهم أو لأفعلنّ وأفعلنّ، فقال له:/ رجونا من حبائك امرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه شراحيل وعبد الحارث - فكتب معهما إلى قومه:
جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه ... جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان عشرين حجة ... يعلّى عليه بالقراميد [7] والسّكب
[1] باجرمي: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة.
[2] الجوسق: القصر، فارسيّ معرّب.
[3] كذا في أغلب النسخ و «خزانة الأدب» للبغدادي ج 1 ص 142. وفي ح، و «تاريخ الطبريّ» قسم 1 ص 851: «جزاها» .
[4] كذا في ح، أو «شرح الأشمونيّ» ج 1 ص 407 طبع بولاق و «خزانة الأدب» للبغداديّ ج 1 ص 142 و «شرح الشواهد» للعينيّ الموجود بهامش «الخزانة» . وفي ب، س: «سعيد» .
[5] كذا في «شرح الأشمونيّ» و «خزانة الأدب» للبغداديّ و «شرح الشواهد» للعينيّ. وفي الأصول: «غيلان» بالتنكير.
[6] كذا في جميع الأصول. وفي «تاريخ الطبريّ» قسم 1 ص 853: «فعال» والفعال: ايم للفعل الحسن والكرم.
[7] القراميد: جمع قرمد وهو الآجرّ، وقيل حجارة له خروق يوقد عليها حتى إذا نضجت بنى بها وهو روميّ تكلمت به العرب قديما.
والسكب: النحاس أو الرصاص.