ولكنني لم أحو وفرا مجمّعا ... ففزت به إلا بشمل مبدّد
ولم تعطني الأيام نوما مسكّنا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد
فقال عمارة: للّه درّه! لقد تقدم في هذا المعنى من سبقه إليه، على كثرة القول فيه، حتى لقد حبّب إليّ الاغتراب، هيه. فأنشده:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد
فإني رأيت الشمس زيدت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
فقال عمارة: كمل واللّه، لئن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واتساق [1] الكلام، فإن صاحبكم هذا أشعر الناس.
تفضيل علي بن الجهم له
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال: حدثني محمد بن موسى بن حمّاد قال: سمعت علي بن الجهم يصف أبا تمّام ويفضله، فقال له رجل: واللّه لو كان أبو تمام أخاك مازدت على مدحك هذا. فقال: إن لم يكن أخا بالنسب، فإنه أخ بالأدب والمودة؛ أما سمعت ما خاطبني به حيث يقول:
إن يكد مطّرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد [2]
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدّر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
زعم دعبل أنه يسرق معانيه
أخبرني محمد قال: حدثني هارون بن عبد اللّه المهلبيّ قال:
كنا في حلقة دعبل، فجرى ذكر أبي تمام، فقال دعبل: كان يتتبع معانيّ فيأخذها. فقال له رجل في مجلسه:
وأي شيء من ذلك، أعزك اللّه؟ قال: قولي:
وإن امرأ أسدى إليّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فقال الرجل: فكيف قال أبو تمام؟ فقال: قال:
/فلقيت بين يديك [3] حلو عطائه ... ولقيت بين يديّ مرّ سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك [4] صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
[1] أ، م: واستواء.
[2] أكدى: خاب ولم ينفع. والمطرف، المستحدث. والتالد: القديم.
[3] كذا في أ، م و «الديوان» . وفي بقية الأصول: «يديه» .
[4] أ، م: إليّ.