كان رجل يقال له أبو الخيبريّ مرّ في نفر من قومه بقبر حاتم، وحوله أنصاب متقابلات من حجارة كأنهنّ نساء نوائح. قال: فنزلوا به، فبات أبو الخيبريّ ليلته كلّها ينادي: أبا جعفر اقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا؛ ما تكلّم من رمّة [1] بالية! فقال: إنّ طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد [2] إلّا قراه.
قال: فلما كان من آخر الليل نام أبو الخيبريّ، حتى إذا كان في السّحر وثب فجعل يصيح: وا رحلتاه! فقال له أصحابه: ويلك! ما لك! قال: خرج واللّه حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي، قالوا: كذبت، قال: بلى، فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة [3] لا تنبعث، فقالوا: قد واللّه قراك. فظلّوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه، فانطلقوا فساروا/ ما شاء اللّه، ثم نظروا إلى راكب فإذا هو عديّ بن حاتم راكبا قارنا جملا أسود، فلحقهم، فقال:
أيّكم أبو الخيبريّ؟ فقالوا: هو هذا، فقال: جاءني أبي في النوم، فذكر لي شتمك إياه، وأنه قرى راحلتك لأصحابك [4] ، وقد قال في ذلك أبياتا، وردّدها حتى حفظتها؛ وهي [5] :
أبا خيبريّ [6] وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتّامها
فماذا [7] أردت إلى رمّة ... ببادية صخب هامها [8]
تبغّي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها [9]
وإنّا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسّيف نعتامها [10]
وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه، فأخذه وركبه، وذهبوا [11] .
حاتم يطلق قومه من أسر الحارث بن عمرو
/ أغارت [12] طيىء على إبل للنعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفنيّ، ويقال: هو الحارث بن عمرو، رجل من بني جفنة، وقتلوا ابنا له. وكان الحارث إذا غضب حلف ليقتلنّ وليسبينّ الذّراريّ، فحلف ليقتلنّ من بني الغوث أهل بيت على دم واحد، فخرج يريد طيئا، فأصاب من بني عديّ بن أخزم سبعين رجلا [13] رأسهم وهم بن عمرو من رهط حاتم - وحاتم يومئذ بالحيرة عند/ النعمان - فأصابتهم مقدمات [14] خيله. فلما قدم حاتم الجبلين جعلت
[1] الرمة: العظم البالي، وجمعه رمم.
[2] ف: «لم ينزل به أحد وهو ميت إلا قراه» .
[3] منخزلة: منقطعة، وفي ف والمختار: «مختزلة» .
[4] ف: «و أنه أقرى راحلتك أصحابك» .
[5] ديوانه 18، 11.
[6] في الديوان: «أبا الخيبري» .
[7] في أ: «ماذا» ، والمثبت من ف.
[8] أ: «ببادية صخب هامها» ، وفي ف: «بداوية صيحت هامها» . وفي الديوان: «بداوية صخب هامها» .
[9] ف والمختار: «عوف وأنعامها» .
[10] الكوم: جمع كوماء؛ وهي الناقة العظيمة السنام.
[11] في الديوان: «و ذهب» .
[12] ديوانه 13.
[13] في الديوان: «من أخزم تسعين رجلا» .
[14] ف: «معربات» ، وفي الديوان: «فأصابهم مقدمات الجند» .