ترى الناس إجلالا له وكأنّهم ... غرانيق ماء تحت باز مصرصر [1]
ثم أتبعت ذلك بأن قلت: كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين أيام مدحتهم، وفي/ طاعتك لم يلحقهم سخطك ولم تحلل بهم نقمتك، ولم أكن في ذلك مبتدعا، ولا خلا أحد من نظرائي من مدحهم، وكانوا قوما قد أظلّني فضلهم، وأغناني رفدهم فأثنيت بما أولوا، فقال: يا غلام، الطم وجهه، فلطمت واللّه حتى سدرت [2] وأظلم ما كان بيني وبين أهل المجلس، ثم قال: اسحبوه على/ وجهه، ثم قال: واللّه لأحرمنّك ولا تركت أحدا يعطيك شيئا في هذا العام، فسحبت حتى أخرجت، وانصرفت وأنا أسوأ الناس حالا في نفسي وحالي وما جرى عليّ، ولا واللّه ما عندي ما يقيم يومئذ قوت عيالي لعيدهم، فإذا بشابّ قد وقف عليّ، ثم قال: أعزز عليّ واللّه يا كبيرنا بما جرى عليك، ودفع إليّ صرّة وقال: تبلّغ بما في هذه، فظننتها دراهم فإذا هي مائة دينار - قال الصوليّ في خبره: فإذا هي ثلاثمائة دينار - فقلت له: من أنت جعلني اللّه فداءك! قال: أنا أخوك أبو نواس، فاستعن بهذه الدنانير واعذرني، فقبلتها، وقلت: وصلك اللّه يا أخي وأحسن جزاءك.
كافأه جعفر بن يحيى على القراءة بعد تركه الشعر
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا يحيى بن الحسن الرّبيعيّ، قال: حدثنا أبو معاوية الغلابيّ، قال: قال سفيان بن عيينة:
كلّمني ابن مناذر في أن أكلّم له جعفر بن يحيى، فكلّمته له، وقد كان ابن مناذر ترك الشّعر، فقال: إن أحبّ أن يعود إلى الشّعر أعطيته خمسين ألفا، وإن أحبّ أن أعطيه على القراءة أعطيته عشرة آلاف، فذكرت ذلك له، فقال لي: خذ لي على القراءة، فإني لا آخذ على الشعر وقد تركته.
أخبرني عمّي عن الكرانيّ، عن الرياشيّ، قال: قال العتبيّ:
جاءت قصيدة لا يدرى من قائلها، فقال ابن مناذر:
هذه الدّهماء تجري فيكم ... أرسلت عمدا تجرّ الرّسنا
قال شعرا يصف فيه الألفة بين الرشيد وجعفر بن يحيى
قال الكرّانيّ: وحدثني الرّياشيّ قال: سمعت خلف بن خليفة يقول:
قال لي ابن مناذر: قال لي جعفر بن يحيى: قل فيّ وفي الرّشيد شعرا تصف فيه الألفة بيننا فقلت:
قد تقطع الرّحم القريب وتكفر ال ... نّعمى ولا كتقارب القلبين
يدني الهوى هذا ويدني ذا الهوى ... فإذا هما نفس ترى نفسين
قال مؤلف هذا الكتاب: هذا أخذه من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نقلا؛ فإن ابن عيينة روى عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: «إنّ الرّحم تقطع، وإن النّعم تكفر، ولن ترى [3] مثل تقارب القلوب» .
[1] الغرانيق جمع غرنوق، وهو طائر مائي، أو هو الكركي، والمصرصر: المصوت بشدة.
[2] سدرت: تحيرت.
[3] في ب، س: ولم تر.