فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فشربته، ثم ثنّى فشربت حتّى/ رويت، ثم قال: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك، فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت، فجال [1] في ظهر ناقته وركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا لا واللّه ما نزلنا إلا للصلاة؛ فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهنّ فوجدنا الرجال خلوفا [2] ، وإذا قدر لبأ [3] وقد جهدت جوعا وعطشا، فلما رأيت القدر اقتحمت [4] عن بعيري وتركتهم جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرّها حتى رويت، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت عليّ وإذا هي على رأسي قلنسوة، فضحكن منّي وغسلن ما أصابني. وأتي جميل بقرى فو اللّه ما التفتّ إليه؛ فبينا هو يحدّثهنّ إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحلّ لهم دمه إن وجدوه في بلادهم، وجاء الناس فقلن [5] : ويحك! أنج وتقدّم، فو اللّه ما أكبرهم ذلك الإكبار، فإذا بهم يرمونه، ويطردونه، فإذا غشوه قاتلهم ورمى فيهم، وقام بي جملي، فقال لي:
يسّر لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه، لا واللّه ما انكسر ولا انحلّ عن فرصته [6] حتى رجع إلى أهله، وقد سار ستّ ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام وقال في ذلك:
إنّ المنازل هيجت أطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي
وهي قصيدة طويلة. وقال أيضا:
وأحسن أيامي وأبهج عيشتي ... إذا هيج بي يوما وهنّ قعود
قال فقال ابن عائشة: أفلا أغنّي لكم ذلك؟ فقلنا: بلى واللّه، فاندفع فغنّاه، فما سمع السامعون شيئا أحسن من ذلك [7] ، وبقي أصحابنا يتعجبون من الحديث/ وحسنه والغناء وطيبه؛ فقال له أصحابنا: يا أبا جعفر، إنّا مستأذنوك، فإن أذنت لنا سألناك، وإن كرهت تركناك؛ فقال: سلوا، فقالوا: نحبّ أن تغنّينا في مجلسنا هذا ما نشطت هذا الصوت فقط؛ فقال لهم: نعم ونعمة عين وكرامة، فما زلنا في غاية السرور حتى انقضى المجلس.
نسبة هذا الغناء
صوت
إنّ المنازل هيّجت أطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي
[1] كذا في أ، م، س بالجيم المعجمة، ولعل معناه أنه جاء وذهب على ظهر ناقته ليطمئن عليها ويستقر. وفي سائر النسخ: «فحال» بالحاء المهملة ولم يظهر له معنى.
[2] خلوفا: غائبين عن الحيّ.
[3] اللبأ: أوّل اللبن في النتاج.
[4] أي بادرت بالنزول عنه.
[5] كذا في ح. وفي سائر النسخ: «فقالوا» .
[6] كذا في جميع النسخ ولعلها: «قرفصته» .
[7] كذا في ط. وفي سائر النسخ: «أحسن من ذلك الغناء» والجملة بعده ترجح الرواية الأولى لأن عجب القوم من الحديث والغناء.