فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الناس وبين النعش إلا ذوي قرابتها بالسكينة والوقار، ثم نام وانتبه وأسرج له، واجتمع كلّ من كان بالمدينة، وأتى باب عائشة حين أخرج النعش، فلما رأى الناس النعش التقفوه، فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئا، وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السّفلة والغوغاء: اربعوا أي ارفقوا فلم يسمعوا، حتى بلغ بالنعش القبر، فصلى عليها، ثم وقف على القبر فنادى: من ها هنا من قريش؟ فلم يحضره إلا مروان بن أبان بن عثمان،/ وكان رجلا عظيم البطن بادنا [1] لا يستطيع أن ينثني من بطنه، سخيف [2] العقل، فطلع وعليه سبعة قمص،/ كأنها درج، بعضها أقصر من بعض ورداء عدنيّ يثمن ألفي درهم، فسلّم وقال له ابن حزم: أنت لعمري قريبها، ولكنّ القبر ضيّق لا يسعك، فقال: أصلح اللّه الأمير إنما تضيق الأخلاق. قال ابن حزم: إنا للّه، ما ظننت أن هذا هكذا كما أرى، فأمر أربعة فأخذوا بضبعه [3] حتى أدخلوه في القبر، ثم أتى خراء الزّنج، وهو عثمان بن عمرو بن عثمان فقال: السّلام عليك أيها الأمير ورحمة اللّه، ثم قال: وا سيدتاه وابنت أختاه! فقال ابن حزم: تاللّه لقد كان يبلغني عن هذا أنه مخنّث، فلم أكن أرى أنه بلغ هذا كله، دلّوه فإنه عورة هو واللّه أحق بالدفن منها، فلما أدخلا قال مروان لخراء الزنج: تنحّ إليك شيئا فقال له خراء الزنج: الحمد للّه رب العالمين، جاء الكلب الإنسيّ يطرد الكلب الوحشيّ، فقال لهما ابن حزم: اسكتا قبّحكما اللّه وعليكما لعنته، أيكما الإنسيّ من الوحشيّ، واللّه لئن لم تسكتا لآمرنّ بكما تدفنان، ثم جاء خال للجارية من الحاطبيّين وهو ناقة من مرض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال: [4] أنا خالها وأمي سودة وأمها حفصة، ثم رمى بنفسه في القبر، فأصاب ترقوة خراء الزنج فصاح: أوه [4] ألح اللّه الأمير دقّ واللّه عرقوبي، فقال ابن حزم: دق اللّه عرقوبك، وترقوتك اسكت ويلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: ويحكم إني خبّرت أن الجارية بادن، ومروان لا يقدر أن ينثني من بطنه، وخراء الزنج مخنّث لا يعقل سنّة ولا دفنا، وهذا الحاطبيّ لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه، فمن يدفن هذه الجارية؟ واللّه ما أمرتني بهذا بنت المظلوم، فقال له جلساؤه: لا واللّه ما بالمدينة خلق من قريش، ولو كان في هؤلاء خير لما بقوا، فقال: من ها هنا من مواليهم؟ فإذا أبو هانىء الأعمى وهو ظئر [5] لها، فقال ابن حزم: من أنت رحمك اللّه؟ قال: أنا أبو هانىء ظئر عبد اللّه بن عمرو بن عثمان وأنا أدفن أحياءهم وأمواتهم، فقال: أنا في طلبك، ادخل رحمك اللّه، فادفن/ هؤلاء الأحياء، حتى يدلّى عليك [6] الموتى [7] ثم أقبل على أصحابه فقال: إنا للّه - وهذا أيضا أعمى لا يبصر، فنادوا: من ها هنا من مواليهم [7] فإذا برجل يزيديّ يقال له أبو موسى قد جاء، فقال له ابن حزم: من أنت أيضا؟ قال: أنا أبو موسى صالمين، وأنا ابن السميط سميطين [8] والسعيد سعيدين، والحمد للّه رب العالمين، فقال ابن حزم: واللّه العظيم لتكونن لهم خامسا، رحمك اللّه يا بنت رسول اللّه، فما اجتمع على جيفة خنزير ولا كلب ما اجتمع على جثتك، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، [9] وأظنه سقط رجل آخر [9] .
[1] ف: «عظيم البطن فأفاء» .
[2] رجل سخيف العقل: ناقصه.
[3] الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها وهما ضبعان.
(4 - 4) . تكملة من ف.
[5] الظئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، ومنه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها: ظئر وللرجل الحاضن: ظئر أيضا.
[6] ف: «حتى يدلي إليك الموتى» .
(7 - 7) . التكملة من ف.
[8] ف: «و أنا ابن أبي السميط سميطين» .
(9 - 9) . التكملة من ف.