فهرس الكتاب

الصفحة 5036 من 6876

مصر، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن فلان السراج، نسي عبد اللّه بن أبي الشّيص اسم أبيه، فما زال يحدثنا ويؤانسنا طول طريقنا، ويتولى خدمتنا كما يتولاها الرفقاء والأتباع. ورأيناه حسن الأدب، وكان شاعرا، ولم نعلم، وكتمنا نفسه، وقد علم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن يقول في المطّلب قصيدة، ننحله إياها. فقال: إن شئتم، وأرانا بذلك سرورا وتقبّلا له، فعملنا قصيدة، وقلنا له: تنشدها المطلب فإنك [1] تنتفع بها. فقال: نعم. ووردنا مصربه، فدخلنا إلى المطّلب، وأوصلنا إليه كتبا كانت معنا، وأنشدناه. فسرّ بموضعنا، ووصفنا له أحمد السراج هذا، وذكرنا له أمره، فأذن له، فدخل عليه ونحن نظن أنه سينشد القصيدة الّتي نحلناه إياها، فلما مثل بين يديه عدل عنها [2] وأنشده:

لم آت مطّلبا إلّا بمطّلب ... وهمة بلغت بي غاية الرّتب

/ أفردته برجاء أن تشاركه ... فيّ الوسائل أو ألقاه في الكتب

قال: وأشار إلى كتبي الّتي أوصلتها إليه وهي بين يديه، فكان ذلك أشدّ من كلّ شيء مر بي منه [3] عليّ، ثم أنشده:

/رحلت عنسى [4] إلى البيت الحرام على ... ما كان من وصب فيها ومن نصب

ألقى بها وبوجهي كلّ هاجرة ... تكاد تقدح بين الجلد والعصب [5]

حتى إذا ما قضت نسكي ثنيت لها ... عطف الزّمام فأمّت سيد العرب

فيمّمتك وقد ذابت مفاصلها ... من طول ما تعب لاقت ومن نقب [6]

إني استجرت بإستارين [7] مستلما ... ركنين: مطّلبا والبيت ذا الحجب

فذاك للآجل المأمول ألمسه ... وأنت للعاجل المرجوّ والطلب

هذا ثنائي وهذي مصر سانحة ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب

قال: فصاح مطّلب: لبيك لبيك: ثم قام إليه فأخذ بيده، وأجلسه معه، وقال: يا غلمان، البدر، فأحضرت، ثم قال: الخلع، فنشرت، ثم قال: الدواب، فقيدت، فأمر له من ذلك بما ملأ عينه وأعيننا وصدورنا وحسدناه عليه، وكان حسدنا له بما اتفق له من القبول وجودة الشعر، وغيظنا بكتمه إيانا نفسعه واحتياله علينا أكثر وأعظم، فخرج بما أمر له به، وخرجنا صفرا.

يوليه المطلب أسوان:

فمكثنا أياما، ثم ولّي دعبل بن عليّ أسوان، وكان دعبل قد هجا المطلب غيظا منه، فقال:

[1] س، ب: «و إنك» .

[2] كذا في مد. م، أ: «فلما مثل بين يديه أنشده» . س، ب: «عدل عنه» ، تحريف.

[3] في م، أ: «فكان ذلك أشد شيء علي مر بي منه» .

[4] كذا في م، أ. والعنس: الناقة الصلبة. وفي س، ب: «عيسى» .

[5] هذا البيت ساقط في م، أ.

[6] نقب: حفا.

[7] إستارين: مثنى إستار، وهو من العدد: أربعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت