مطموما [1] ، وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدّمه؛ قال: ثم تحدّثنا ساعة وكأنما تلعقني بحديثها الرّبّ [2] من حلاوته، ثم إذا هي تصبّ في عسّ [3] مخضوب بالحنّاء والزعفران من ألبان اللّقاح، فأخذت منها ذلك/ العسّ وكأنه قناة فراوحته بين يديّ، ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: ألا تصلّي يابن ميادة لا صلّى اللّه عليك فقد أظلّك صدر النهار [4] ! ولا أحسب إلا أنّني في أوّل البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يوم كلّمتها فيه حتّى زوّجها أبوها، وهو أظرف [5] ما كان بيني وبينها.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني حكم [6] بن طلحة الفزاريّ ثم المنظوريّ قال:
قال ابن ميّادة: إنّي لأعلم أقصر يوم مرّ بي من الدهر، قيل له: وأيّ يوم هو يا أبا الشّرحبيل؟ قال: يوم جئت فيه أمّ جحدر باكرا فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعسّ [7] من لبن فأتيت به وهي تحدّثني، فوضعته على يدي وكرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر [8] وما شربت.
قال الزبير: وحدّثني أبو مسلمة [9] موهوب بن رشيد بمثل هذا، وزاد في خبره: وقال ابن ميّادة فيها أيضا:
ألم تر أن الصارديّة جاورت ... ليالي بالممدور غير كثير
ثلاثا فلما أن أصابت فؤاده ... بسهمين من كحل [10] دعت بهجير
بأحمر [11] ذيّال العسيب مفرّج [12] ... كأنّ على ذفراه نضخ عبير
حلفت بربّ الراقصات إلى منى ... زفيف القطا يقطعن بطن هبير [13]
لقد كان حبّ الصارديّة بعد ما ... علا في سواد الرأس نبذ قتير [14]
[1] كذا في جميع الأصول ولعله محرّف عن «منضودا» أو نحو ذلك.
[2] الرب بالضم: دبس الرطب إذا طبخ. وفي ح: «و كأنما تلعقني الزبد» .
[3] العس: القدح الضخم يروي الثلاثة والأربعة والعدّة. وفي الحديث أنه «كان يغتسل في عس حرز ثمانية أرطال أو تسعة» .
[4] كذا في س، م، أ. وفي سائر النسخ: «الرجال» وهو تحريف.
[5] فيء، ط: «أطرف» بالطاء المهملة.
[6] في ح: «حكيم» ولم نعثر على ترجيح إحدى الروايتين.
[7] العس: القدح الضخم.
[8] فيء، ط: «حتى فاتتني الأولى وما شربت» . والأولى هي صلاة الظهر. وفي الحديث: «أنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس» ، وفسرها القسطلانيّ في ج 1 ص 620 بصلاة الظهر، وقال: لأنها أول صلاة في إمامة جبريل عليه السلام.
[9] كذا في ط وهو الموافق لما تقدّم باتفاق الأصول. وفي سائر النسخ: «أبو سلمة» .
[10] كذا روي فيما تقدّم قريبا وفي أغلب الأصول «لغب» بالغين المعجمة ولم يظهر له معنى مناسب. وفي ء: «من لعب» بالعين المهملة.
[11] تقدم هذا البيت قريبا في ص 277 برواية أخرى.
[12] الذيال: طويل الذيل. والعسيب: عظم الذنب، وقيل منبت الشعر منه. والمفرج: ما بان مرفقه عن إبطه، قال الشاعر:
متوسدين زمام كل نجيبة ... ومفرّج عرق المقذ متوق
[13] الهبير: رمل زرود في طريق مكة.
[14] القتير: المشيب. وأصل القتير رؤوس مسامير حلق الدروع تلوح فيها، شبه بها الشيب إذا نقب في سواد الشعر. ونبذ القتير: الشي ء