بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الخلافة إلى بني هاشم، فلما دخلت عليه رأى منّي جزعا، فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الّذي ظهر منك؟ قلت أخافك، قال: ولم؟ قلت: لأنه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم؟ قتل: لا، قال: فهل ترى بأسا؟ لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا، ثم قال: أما ابن العجّاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك:
/و قاتم الأعماق [1] خاوي المخترق [2]
فقلت: أو أنشدك - أصلحك اللّه أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته:
قلت وقولي [3] مستجدّ حوكا ... لبّيك إذ دعوتني لبّيكا
أحمد ربّا ساقني إليكا
قال: هات كلمتك الأولى، قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال: هات، فأنشدته:
ما زال بيني خندقا ويهدمّه ... ويستجيش عسكرا ويهزمه
ومغنما يجمعه ويقسمه ... مروان لما أن تهاوت أنجمه
وخانه في حكمه منجّمه
قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق، قلت: أو أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته:
رفعت بيتا وخفضت بيتا ... وشدت ركن الدين إذ بنيتا
في الأكرمين من قريش بيتا
قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته:
ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره
مشمّرا لا يصطلى بناره ... حتى أقرّ الملك في قراره
وفرّ مروان على حماره
قال: ويحك! هات ما دعوتك له وأمرت بإنشاده، ولا تنشد شيئا غيره، فأنشدته:
/و قاتم الأعماق خاوي المخترق
فلما صرت إلى قولي:
يرمي الجلاميد بجلمود مدق
قال: قاتلك اللّه! لشدّ ما استصلبت الحافر! ثم قال: حسبك، أنا ذلك الجلمود المدقّ.
قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة، إنك أتيتنا والأموال مشفوهة [4] ، وإن
[1] الأعماق: جمع عمق، ويراد به هنا البعيد من أطراف المفاوز، مستعار من عمق البئر.
[2] المخترق: موضع الاختراق، ويراد هنا، موضع قطع المفاوز.
[3] ف «و نسجي» .
[4] مشفوهة: اشتد طلبها حتى نفذت.