فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال لي الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوما ومعها عدّة من جواريها، فوافتنا ونحن على شرابنا، فتحادثنا ساعة. وسألتها أن تقيم عندي، فأبت وقالت: دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظّرف، وهم مجتمعون في جزيرة المؤيّد، فيهم إبراهيم بن المدبّر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة، وقد عزمت على المسير إليهم، فحلفت عليها. فأقامت عندنا، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت:
بسم اللّه الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها، وهي:
أردت، ولو لا، ولعلي [1] .
/و وجهت به إليهم، فلما وصلت الرقعة عيّوا بجوابها، فأخذ إبراهيم بن المدبّر الرقعة، فكتب تحت أردت:
ليت، وتحت لو لا: ماذا، وتحت لعلي: أرجو. ووجهوا بالرقعة فصفّقت ونعرت [2] وشربت رطلا وقالت لنا:
أ أترك هؤلاء وأقعد عندكم؟ إذا تركني اللّه من يديه، ولكنّي أخلّف عندكم من جواريّ من يكفيكم، وأقوم إليهم، ففعلت ذلك وخلّفت عندنا بعض جواريها، وأخذت معها بعضهن، وانصرفت.
لها حكم النظام:
أخبرنا محمد بن خلف، عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء، عن أبيه قال:
عتب المأمون على عريب، فهجرها أياما، ثم اعتلّت فعادها، فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لو لا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذمّ بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا، قال: فخرج المأمون إلى جلسائه، فحدثهم بالقصة، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا [3] ؟.
لا تريد دخيلا بينها، وبين المأمون:
حدثني محمد بن خلف، عن أبي العيناء، عن أحمد بن أبي داود: قال:
جرى بين عريب وبين المأمون كلام، فكلمها المأمون بشيء غضبت منه، فهجرته. أياما، قال أحمد بن أبي دواد: فدخلت على المأمون. فقال لي: يا أحمد، اقض بيننا، فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا، وأنشأت تقول:
وتخلط الهجر بالوصال لا ... يدخل في الصّلح بيننا أحد
ماذا كانت تفعل في خلوتها مع محمد بن حامد:
حدّثني محمد بن خلف قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن أحمد بن حمدون، عن أبيه، قال:
كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق، فقال لي المأمون: اركب الساعة فرس النّوبة وسر إلى عسكر أبي/ إسحاق - يعني المعتصم - فأدّ إليه رسالتي في كيت وكيت، قال: فركبت/ ولم تثبت مع شمعة، وسمعت وقع حافر دابة، فرهبت ذلك، وجعلت أتوقّاه، حتى صكّ ركابي
[1] لعل المراد برموزها: أردت الحضور إليكم، ولو لا أنهم منعوني ما تخلفت، ولعلي أستطيع الإفلات، ولعل المراد بروموز بن المدبر: ليت ما أردته نفذ، وماذا عساهم يفعلون لو تركتهم، وأرجو تنفيذ ما رجوته.
[2] نعرت نعيرا ونعارا: صاحت: وصوتت بخيشومها.
[3] ف: «كثيرا» . ويريد بالنظام الفيلسوف المعروف عند علماء الكلام.