فهرس الكتاب

الصفحة 5363 من 6876

إسماعيل، وهو عامله على المدينة، وإلى عامل اليمامة أن يطلبوا قتلة عون، ويبالغوا في ذلك؛ وأن يأخذوا السّعاة به أشد أخذ، ويجعلوا لمن دلّ عليهم جعله [1] ، وانشام [2] السمهريّ في بلاد غطفان في بلاد ما شاء اللّه.

ثم مرّ بنخل، فقالت عجوز من بني فزارة: أظن واللّه هذا العكليّ الذي قتل عونا، فوثبوا عليه، فأخذوه، ومر أيوب بن سلمة المخزوميّ بهم، فقالت له بنو فزارة: هذا العكليّ قاتل عون ابن عمك، فأخذه منهم، فأتى به هشام بن إسماعيل المخزومي عامل عبد الملك على المدينة، فجحد وأبى أن يقرّ، فرفعه إلى السجن فحبسه.

وزعم آخرون أن بني عذرة أخذوه فلما عرفت إبل عون في يدي شافع بن واتر اتهموه بقتله، فأخذوه، وقالوا:

أنت قرفتنا [3] ، قتلت عونا، وحبسوه بصلّ: ماء لبني أسد، وجحد، وقد كان عرف من قتله، إما أن يكون كان معهم، فورّي عنهم، وبرأ نفسه، وإما أن يكون أودعوها إياه، أو باعوها منه، فقال شافع:

/فإن سرّكم أن تعلموا أين ثأركم ... فسلمى معان وابن قرفة ظالم [4]

وفي السجن عكليّ شريك لبهدل ... فولّوا ذباب السّيف من هو حازم [5]

فو اللّه ما كنا جناة ولا بنا ... تأوّب عونا حتفه وهو صائم [6]

فعرفوا من قتله، فألحّوا على بهدل في الطلب، وضيقوا على السمهريّ في القيود والسجن، وجحد، فلما كان ذلك من إلحاحهم على السمهريّ أيقنت نفسه أنه غير ناج، فجعل يلتمس الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة والإمام يخطب، وقد شغل الناس بالصلاة فكّ إحدى حلقتي قيده، ورمى بنفسه من فوق السجن، والناس في صلاتهم، فقصد نحو الحرة، فولج غارا من الحرة، وانصرف الإمام من الصلاة فخاف أهل المدينة عامتهم أتباعه، وغلقوا أبوابهم، وقال لهم الأمير: اتّبعوه فقالوا: وكيف نتبعه وحدنا، فقال لهم: أنتم ألفا رجل، فكيف تكونون وحدكم؟ فقالوا: أرسل معنا الأبلّيّين؛ وهم حرس وأعوان من أهل الأبلّة، فأعجزهم الطلب، فلما أمسى كسر الحلقة الأخرى، ثم همس [7] ليلته طلقا، فأصبح وقد قطع أرضا بعيدة، فبينا هو يمضي إذ نعب غراب عن شماله، فتطيّر، فإذا الغراب على شجرة بان ينشنش [8] ريشه، ويلقيه، فاعتاف [9] شيئا في نفسه، فمضى، وفيها ما فيها، فإذا هو قد لقي راعيا في وجهه ذلك، فسأله: من أنت؟ قال: رجل من لهب من أزد شنوءة أنتجع أهلي، فقال له:

هل عندك شيء من زجر قومك؟ فقال: إني لآنس من ذلك شيئا أي/ لأبصر، فقص عليه حاله غير أنه ورّى [10] الذّنب على غيره والعيافة، وخبّره عن الغراب والشجرة، فقال الّلهبيّ: هذا الذي فعل ما فعل، ورأى الغراب على

[1] الجعل: المكافأة ونحوها.

[2] انشام في بلاع غطفان: دخل فيها.

[3] القرفة: من تتّهمه بشيء.

[4] في ف، هد:

«فسامى معاد»

[5] «حازم» كذا في س، وفي ف «حارم» والذي نرجحه أن هذا وذاك من قبيل التصحيف، والصواب «جارم» بمعنى مذنب.

[6] تأويه حتفه: أصابته منيته.

[7] همس: سار بالليل بلا فتور.

[8] نشنش الطائر ريشه: نتفه نتفا خفيفا بمنقاره، وطيره في الهواء.

[9] اعتاف: من الاعتياف، وهو زجر الطير للتفاؤل أو التطير، والمراد هنا التطير.

[10] ورّى: يعني أنه كان ينسب أفعاله إلى غيره بقصد التعمية عن المخاطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت