فقال ابن عفراء، وأتاه في نادي قومه: أجهد جهدك، هل هو إلا أن تسبني، واللّه لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبته ولا تنهاني عن شيء إلا ركبته، قال: فاشهدوا أني أنهاه أن ينيك أمه، فضحك القوم وخجل ابن عفري.
يتطفل فيجاز:
أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا شعيب بن صخر قال:
/ تزوج ذبيان بن أبي ذبيان العدوي من بلعدوية، فدعا الناس في وليمته، فدعا ابن أبي شيخ الفقيميّ، فألقى الفرزدق عنده، فقال له: يا أبا فراس، انهض، قال: إنه لم يدعني، قال: إن ابن ذبيان يؤتى وإن لم يدع، ثم لا تخرج من عنده إلا بجائزة فأتياه، فقال الفرزدق حين دخل:
كم قال لي ابن أبي شيخ وقلت له: ... كيف السّبيل إلى معروف ذبيان
/ إنّ القلوص إذا ألقت جآجئها ... قدامّ بابك لم نرحل بحرمان [1]
قال: أجل يا أبا فراس فدخل فتغدى عنده، وأعطاه ثلاثمائة درهم.
يريد أن يتحدى الناس الموت:
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: حدثني أبو بكر المدنيّ قال:
دخل الفرزدق المدينة فوافق فيها موت طلحة بن عبد الرحمن بن عوف الزّهريّ - وكان سيدا سخيّا شريفا - فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم للّه، قالوا: وما ذاك يا أبا فراس؟ قال: غلبكم الموت على طلحة حتى أخذه [2] منكم.
يعطي عروضا بدل النقد:
وأتى مكة، فأتى عمرو بن عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيّ - وهو سيد أهل مكة يومئذ - وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع أعطيته وأعطية ولده وأهله، فقال: واللّه يا أبا فراس، ما وافقت عندنا نقدا، ولكن عروضا [3] إن شئت، فعندنا رقيق فرهة [4] ، فإن شئت أخذتهم، قال: نعم، فأرسل له بوصفاء من بنيه وبني أخيه، فقال: هم لك عندنا حتى تشخص، وجاءه العطاء، فأخبره الخبر وفداهم، فقال الفرزدق ونظر إلى عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد وكان يطوف بالبيت الحرام يتبختر:
/تمشي تبختر حول البيت منتخبا ... لو كنت عمرو بن عبد اللّه لم تزد [5]
يحتج بشعره:
أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا عامر بن أبي عامر - وهو صالح بن رستم الخراز - قال:
أخبرني أبو بكر الهذلي قال:
[1] الجاجى ء: جمع جؤجؤ، وهو عظام الصدر، وإلقاء جآجىء الناقة كناية عن بروكها.
[2] كأنه كان يريد من أهل المدينة أن يقاوموا الموت، وهذا من أبلغ الرثاء لطلحة بن عبد الرحمن.
[3] العروض: جمع عرض - بفتح وسكون - وهو ما سوى النقد من المتاع.
[4] يريد عبيدا وجواري حسانا.
[5] تبختر: مضارع محذوف أحد التائين، والمقصود بالبيت أن عمرا هذا هو وحده الجدير بالتيه والخيلاء.