إنا لجلوس عند الحسن إذ جاء الفرزدق يتخطى حتى جلس إلى جنبه، فجاء رجل، فقال: يا أبا سعيد: الرجل يقول: لا واللّه، بلى واللّه في كلامه، قال: لا يريد اليمين، فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن: ما كلّ ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:
ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم [1]
قال: فلم ينشب أن جاء رجل آخر، فقال: يا أبا سعيد. نكون في هذه المغازي فنصب المرأة لها زوج، أفيحلّ غشيانها وإن لم يطلّقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن: ما كلّ ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:
وذات حليل أنكحتنا رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلّق [2]
يهجو إبليس:
قال أبو خليفة: أخبرني محمد بن سلام، وأخبرني محمد بن جعفر قالا:
أتى الفرزدق الحسن [3] ، فقال: إني هجوت إبليس فاسمع؟ قال لا حاجة لنا بما تقول، قال: لتسمعنّ أو لأخرجنّ، فأقول للناس: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: اسكت فإنك بلسانه تنطق.
الحسن يتمثل بالشعر:
قال محمد بن سلام: أخبرني سلام أبو المنذر، عن علي بن زيد قال: ما سمعت الحسن متمثلا شعرا قط إلا بيتا واحدا وهو قوله:
الموت باب وكلّ الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
قال: وقال لي يوما: ما تقول في قول الشاعر:
لو لا جرير هلكت بجيلة ... نعم الفتى وبئست القبيلة
أهجاه أم مدحه؟ قلت: مدحه وهجا قومه، قال: ما مدح من هجي قومه.
وقال جرير بن حازم:/ ولم أسمعه ذكر شعرا قط إلا:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء
هل ينقض الشعر الوضوء:
وقال رجل لابن سيرين وهو قائم يستقبل القبلة يريد أن يكبّر: أيتوضّأ [4] من الشعر؟ فانصرف بوجهه إليه فقال:
ألا أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح استه لاستقرّت
[1] يريد أن بيته يتطابق مع قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ*
[2] ذات: مفعول مقدم لأنكحتنا، ويريد أن سبايا الحرب إماء يحل الاستمتاع بهن.
[3] يريد الحسن البصري.
[4] يقصد: هل يعتبر الشعر من نواقض الوضوء؟ وقد أجابه ابن سيرين عملا لا قولا، إذ نطق ببيت الفرزدق الفاحش، ثم كبر.