فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
مر الفرزدق بماء لبني كليب مجتازا، فأخذوه، وكان جبانا، فقالوا: واللّه لتلقينّ منا ما تكره، أو لتنكحنّ هذه الأتان، وأتوه بأتان، فقال: ويلكم! اتقوا اللّه، فإنه شيء ما فعلته قط، فقالوا: إنه لا ينجيك واللّه إلا الفعل قال: أمّا إذا أبيتم فأتوني بالصخرة التي يقوم عليها [1] عطية، فضحكوا، وقالوا: اذهب لأصحبك اللّه.
أسود يستخف به:
أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، عن العتبي قال:
دخل الفرزدق على قوم يشربون عند رجل بالبصرة، وفي صدر مجلسهم فتى أسود، وعلى رأسه إكليل؛ فلم يحفل بالفرزدق، ولم يحف به تهاونا، فغضب الفرزدق من ذلك وقال:
جلوسك في صدر الفراش مذلّة ... ورأسك في الإكليل إحدى الكبائر
وما نطفت كأس ولا لذّ طعمها ... ضربت على حافاتها بالمشافر [2]
يرثي وكيعا، فينسى مشيعيه الاستغفار له:
أخبرني عبد اللّه بن مالك عن محمد بن موسى، عن العتبي قال:
لما مات وكيع بن أبي سود أقبل الفرزدق حين أخرج، وعليه قميص أسود، وقد شقه إلى سرته وهو يقول:
فمات ولم يوتر وما من قبيلة ... من الناس إلا قد أباءت على وتر [3]
وإنّ الذي لاقى وكيعا وناله ... تناول صدّيق النبيّ أبا بكر [4]
/قال: فعلق الناس الشعر، فجعلوا ينشدونه، حتى دفن، وتركوا الاستغفار له.
ميميته المأثورة في علي بن الحسين:
أخبرنا عبد اللّه بن علي بن الحسن الهاشمي، عن حيان بن علي العنزي، عن مجالد، عن الشعبي قال:
حج الفرزدق بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام فرأى عليّ بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال: من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟ فقالوا: هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم، فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
/ هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم ... هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا [5]
وليس قولك: من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
[1] يريد عطية أبا جرير، ومعروف أنه كان يلقب جريرا بابن المراغة.
[2] نطفت الكأس: قطرت، والمصراع الثاني صفة لكأس مع الفصل بين الصفة والموصوف.
[3] في ب: «أباءت» وفي نسخة أخرى «أثابت» وكلاهما بمعنى «رجع» المتعدي كأنه يريد رجعت نفسها إلى الأخذ بالثأر.
[4] ظاهر البيتين يفيد أن وكيعا مات قتيلا، وأنه كان ذا صلة بالخليفة أبي بكر.
[5] نون «فاطمة» للضرورة.