فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهرب، حتى أتى سعيد بن العاص، فأقام بالمدينة يشرب، ويدخل إلى القيان، وقال:
إذا شئت غنّاني من العاج قاصف ... على معصم ريّان لم يتخدّد [1]
لبيضاء من أهل المدينة لم تعش ... ببؤس ولم تتبع حمولة مجحد
وقامت تخشّيني زيادا وأجفلت ... حواليّ في برد يمان ومجسد
فقلت: دعيني من زياد فإنني ... أرى الموت وقّافا على كلّ مرصد
مروان ينفيه ثم يجيزه:
قبلغ شعره مروان، فدعاه، وتوعده، وأجّله ثلاثا، وقال: اخرج عني، فأنشأ يقول الفرزدق:
دعانا ثم أجلنا ثلاثا ... كما وعدت لمهلكها ثمود [2]
قال مروان [3] : قولوا له عني: إني أجبته، فقلت:
قل للفرزدق والسّفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس [4]
ودع المدينة إنها محظورة ... والحق بمكة أو ببيت المقدس
قال: وعزم على الشخوص إلى مكة، فكتب له مروان إلى بعض عماله، ما بين مكة والمدينة بمائتي دينار، فارتاب بكتاب مروان، فجاء به إليه وقال:
مروان إنّ مطيتي معقولة ... ترجو الحباء وربّها لم ييأس
آتيتني بصحيفة مختومة ... يخشى عليّ بها حباء النّقرس [5]
/ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكراء مثل صحيفة المتلمّس [6]
قال: ورمى بها إلى مروان، فضحك، وقال: ويحك! إنك أميّ، لا تقرأ، فاذهب بها إلى من يقرؤها، ثم ردّها، حتى أختمها، فذهب بها، فلما قرئت إذا فيها جائزة، قال: فردّها إلى مروان، فختمها، وأمر له الحسين بن عليّ عليهما السلام بمائتي دينار، قال: ولما بلغ جريرا أنه أخرج عن المدينة قال:
/إذا حلّ المدينة فارجموه ... ولا تدنوه من جدث الرسول [7]
فما يحمى عليه شراب حدّ ... ولا ورهاء غائبة الحليل [8]
فأجابه الفرزدق، فقال:
[1] تقدمت هذه الأبيات في الترجمة نفسها. فارجع إليها.
[2] في هج
«دعاني ثم أجلني»
[3] ليس فيما قاله الفرزدق ما يستدعي عدول مروان عن عقوبته، فلعل هنا خرما، أو لعل بعد البيت السابق أبيات استعطاف لم تذكر.
[4] الشعر لمروان: ولم نستطع التوفيق بين قوله: «اجلس» في البيت الأول وقوله:
«و دع المدينة»
في البيت الثاني، ربما كانت «اجلس» تصحيف «احلس» - بالحاء - بمعنى ضع الحلس على دابتك وارحل، والحلس: القتب أو السرج ونحوهما.
[5] النقرس: الهلاك، أو الداهية، أو وجع في مفاصل الكعبين.
[6] صحيفة المتلمس: صحيفة حملها تتضمن هلاكه، وقصتها مشهورة، والمتلمس الشاعر المعروف.
[7] في هج
«إذا حل الفرزدق»
[8] في هد «يخفى» بدل «يحمى» والورهاء: الحمقاء، والمراد أنه مدمن زير نساء.