تبع جارية فزجرته ثم تغنى بشعر:
قال إسحاق حدّثني المدائنيّ قال: حدّثت أنّ طويسا تبع جارية فراوغته فلم ينقطع عنها، فخبّت [1] في المشي فلم ينقطع عنها؛ فلما جازت بمجلس وقفت ثم قالت: يا هؤلاء، لي صديق ولي زوج ومولى ينكحني، فسلوا هذا ما يريد منّي! فقال أضيّق ما قد وسّعوه. ثم جعل يتغنّى:
أفق يا قلب عن جمل ... وجمل قطّعت حبلي
أفق عنها فقد عنّي ... ت حولا في هوى جمل
وكيف يفيق محزون ... بجمل هائم العقل
براه الحبّ في جمل ... فحسبي الحبّ من ثقل [2]
وحسبي فيك ما ألقى ... من التّفنيد والعذل
وقد ما لامني فيها [3] ... فلم أحفل بهم أهلي
حديث طويس والرجل المسحور:
قال إسحاق وقال المدائنيّ قال مسلمة بن محارب حدّثني رجل من أصحابنا قال:
خرجنا في سفرة ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد فدعونا بالغداء، فمدّ الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، وهو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل، فخرجنا نسأل عن حاله/ فلقينا رجلا طويلا/ أحول مضطرب الخلق في زيّ الأعراب، فقال لنا: ما لكم؟ فأنكرنا سؤاله لنا، فأخبرناه خبر الرجل؛ فقال: ما اسم صاحبكم؟ فقلنا: أسيد؛ فقال:
هذا واد قد أخّذت [4] سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرّ [5] صاحبكم وأكل. قلنا في أنفسنا: هذا من الجنّ، ودخلتنا فزعة؛ ففهم ذلك وقال: ليفرخ [6] روعكم فأنا طويس. قال له بعض من معنا من بني غفار أو من بني عبس: مرحبا بك يا أبا عبد النّعيم، ما هذا الزّيّ! فقال: دعاني بعض أودّائي من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطّى الأحياء فلا ينكروني. فسألت الرجل أن يغنّينا؛ فاندفع ونقر بدفّ كان معه مربّع، فلقد تخيّل لي أنّ الوادي ينطق معه حسنا، وتعجّبنا من علمه وما أخبرنا [به] [7] من أمر صاحبنا.
وكان الذي غنّى به في شعر عروة بن الورد في سلمى امرأته الغفاريّة حيث رهنها على الشراب:
سقوني الخمر ثم تكنّفوني ... عداة اللّه من كذب وزور
وقالوا لست بعد فداء سلمى ... بمفن ما لديك ولا فقير
[1] خبت: أسرعت.
[2] كذا في أكثر النسخ. وفي ب، س، ح: «فحسب القلب من ثقل» .
[3] في ط: «و قد وبخني فيها» وبهامشها ما بسائر النسخ.
[4] كذا في ط، ء، و «نهاية الأرب» ج 4 ص 264 طبع دار الكتب، وأخذت: سحرت. وفي سائر النسخ: «أخاف سباعه» .
[5] استمر: قوي واستقام أمره.
[6] ليفرخ روعكم: ليذهب رعبكم وفزعكم. (انظر الحاشية رقم 4 ص 226 من الجزء الأول) .
[7] زيادة في أ، م، ح.