كان دقيق الحس:
أخبرنا محمد بن عليّ قال حدّثني أبي قال حدّثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابيّ [1] ، قال:
مررت ببشّار يوما وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة [2] يلعب بها وقدّامه طبق فيه تفّاح وأترجّ [3] ، فلما رأيته وليس عنده أحد تاقت نفسي/ إلى أن أسرق ما بين يديه، فجئت قليلا قليلا وهو كافّ [يده] [4] حتى مددت يدي لأتناول منه، فرفع القضيب وضرب به يدي ضربة كاد يكسرها، فقلت [له] [1] : قطع اللّه يدك يابن الفاعلة، أنت الآن أعمى! فقال: يا أحمق، فأين الحسّ!.
حديثه مع نسوة أتينه يأخذن شعره لينحن به:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال:
كان لبشّار في داره مجلسان: مجلس يجلس فيه بالغداة يسمّيه «البردان» ومجلس يجلس فيه بالعشيّ اسمه «الرّقيق» ، فأصبح ذات يوم فاحتجم وقال لغلامه: أمسك عليّ بابي واطبخ لي من طيّب طعامي وصفّ نبيذي؛ قال:
فإنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام! انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ قال: فنظر الغلام، فقال له: نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهنّ شعرا ينحن به؛ فقال: أدخلهنّ، فلمّا دخلن نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه/ في جانب بيته؛ قال: فقالت واحدة منهنّ: هو خمر، وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل، وقالت الثالثة: نقيع زبيب؛ فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي؛ قال: فتماسكن ساعة، ثم قالت واحدة منهنّ: ما عليكنّ! هو أعمى فكلن [من] [5] طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره؛ فبلغ ذلك الحسن البصريّ فعابه وهتف ببشّار؛ فبلغه ذلك - وكان بشّار يسمّي الحسن البصريّ القسّ - فقال:
لما طلعن من الرّقي ... ق عليّ بالبردان خمسا
وكأنهنّ أهلّة ... تحت الثياب زففن شمسا
باكرن عطر لطيمة [6] ... وغمسن في الجاديّ [7] غمسا
صوت
لمّا طلعن حففنها ... وأصخن ما يهمسن همسا
فسألنني من في البيو ... ت فقلت ما يؤوين إنسا
ليت العيون الطارفا [8] ... ت طمسن عنّا اليوم طمسا
[1] كذا في أكثر النسخ وهو الصواب، وفي ب، س: «الغلال» وهو تحريف.
[2] المخصرة: ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا أو قضيب، وقيل المخصرة: شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه.
[3] الأترج: ثمر شجر بستانيّ من جنس الليمون ناعم الورق والحطب.
[4] الزيادة عن «معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص» ص 133 طبع بولاق.
[5] زيادة في ح.
[6] اللطيمة: نافجة المسك.
[7] الجاديّ: الزعفران.
[8] في جميع الأصول: «الطارقات» بالقاف، وهو تحريف.