فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 1046

الفصل الأوّل: علم البديع ونشأته

احتلّ البديع مكانة مرموقة منذ القدم عند العرب أدباء ونقّادا وبلاغيين، لما رأوا فيه من جمال يضفيه على العبارة النثرية أو البيت الشعريّ، كما وجدوا منه ألوانا تزخر بها الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، فتسنّم ذروة البلاغة حتى اعتبره بعضهم من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، لما له من أثر في جلال المعاني وجمال الألفاظ إلّا أن الشعراء والكتّاب في عصر التجديد قد فتنوا به وأفرطوا فيه ومنحوه كلّ اهتمامهم، سواء أكان المعنى مفتقرا إليه أم مستغنيا عنه، فوقعوا في عيوب كثيرة من التكلّف والتعسّف، كانوا في غنى عنها، فصار البديع معهم مسلكا وعرا يؤدّي إلى الإغراب والتعمية بدلا من أن يكون وسيلة لتحلية الألفاظ وتحسينها، أو لكشف المعاني وإبرازها.

ثم شرع العلماء يضيفون إلى ألوان البديع ألوانا تعدّ بالمئات فاختلطت عليهم ولم يعودوا يعرفون الأصل من الفرع فيها، فراحوا يطلقون على كلّ معنى اسما من أسماء البديع، حتى انحرف عن مساره، وأصبح عبئا ثقيلا في نظر النقّاد المحدثين، فدعوا إلى التخلّص منه والتخلّي عنه، أو التخفيف منه ما استطيع إلى ذلك سبيلا، متناسين ما كان له من مكانة مرموقة عند النقّاد الأقدمين عندما كان يقع للشعراء عفوا دون تكلّف، وقد ظنّوا أن العلّة في فساد البديع في العصور المتأخّرة، تعود إلى البديع ذاته، ولو أمعنوا النظر النقديّ في ذلك لوجدوا أن العلّة تعود إلى سوء استخدام الشعراء لألوانه والإفراط فيها حتى صار البديع عندهم غاية لا وسيلة، إذ عظّمه بعضهم حتّى أسلك فنونه في قصائد دعيت ب «البديعيّات» ، وألّفوا فيه شروحا واحتفلوا به أيّ احتفال، ما دفع البعض إلى أن ينعت العصر الذي ساد وشاع فيه بعصر الانحطاط أو الانهيار، وهو عصر كان، وما زال أسوأ العصور حظّا من حيث اهتمام الباحثين به، إذ لا يزال نتاجه أو معظم نتاجه مدفونا تحت غبار الزمن وخيوط العنكبوت، وكانت من نتاج هذا العصر تلك «البديعيات» وشروحها، وما تضمّنته من فنون البديع.

إلّا أنّ هذه «البديعيات» بما تضمّنته لم تنل حظّها من الدراسة على غرار غيرها من

المجموعات الشعرية التي نالت حظّا وافرا من جهود الدارسين حتى بلغت الذّرى وقاربت الكمال عمقا وعددا، مثل «المعلّقات» ، و «المفضّليّات» ، و «الروميات» ، و «اللزوميات» وغيرها بل إنّ البعض قد وقف منها ومن أصحابها موقفا سلبيّا فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت