بقصيدة أخرى فيذكرها أو يذكر بعضها، ولعلّ كثرة شواهد البلاغة في هذا العصر سمة غالبة لكثرة المشتغلين بالبلاغة الذين فتحوا باب الاستشهاد البلاغيّ على مصراعيه، كما أنّ المتأخّرين في عصر ابن حجّة وقبله بقرون قد أسرفوا إسرافا كبيرا في البديع، ما جعل شعرهم مرتعا خصبا للشواهد البديعيّة عند النقّاد والبلاغيّين، ولا ننس أنّ حبّ الإكثار والتدليل على سعة الثقافة لدى ابن حجّة وعامل الذوق عنده ساهم إلى حدّ كبير في الإكثار من الشواهد في شرحه، هذا عدا رغبته في التفريع والتقسيم والتنويع.
ثمّ إنّ المعارضة هي السمة الأبرز في منهجه، إذ كثيرا ما كان يبقي على أنواع بديعية من أجل المعارضة، كان يأنف من الاستفاضة في شرحها.
وقد اتبع ابن حجّة في ترتيب أنواع البديع المنهج نفسه الذي اتّبعه الحلّيّ، فبدأ بذكر «براعة الاستهلال» ، ثم أتبعها بذكر «الجناس» وأنواعه إلى أن وصل في آخر بديعيّته وشرحها إلى ذكر «حسن الختام» وكان إذا أراد نظم النوع البديعيّ وشرحه رجع في الشرح إلى العديد من كتب البلاغة، وإلى ما ذكره أصحاب البديعيات، ثم يستخلص لنفسه رأيا في تعريف كل نوع، مشيرا إلى مخترعه أو السابق إلى معرفته أحيانا، وذلك بأسلوب الناقد البلاغيّ الذي يذكر الأنواع ويعرّفها ويعرّج عليها بالنقد فكثيرا ما تتخلّل شرحه هذا لمحات نقديّة وفنون مختلفة، قبل أن ينهي الشرح لكلّ نوع بالكلام على أبيات البديعيات المعارضة.
تكمن قيمة هذا الكتاب في مضمونه وموضوعه، إذ حوى البديعيّة وشرحها، وثلاث بديعيات أخرى قام ابن حجّة بمعارضتها ودراستها وشرحها، وما اقتضاه هذا الشرح من تعريفات وحدود لأنواع البديع، التي بلغت عنده مئة وسبعة وأربعين نوعا بديعيّا، رجع ابن حجّة فيها إلى ما يزيد على مئة كتاب كان قد ذكرها في ثنايا خزانته، وقد نقل منها بعض الحدود البلاغية والمناقشات الطريفة والمفيدة التي كانت تدور بين البلاغيين آنذاك، بالإضافة إلى ما أودعه من ثقافته الواسعة التي جمعت إلى البلاغة والأدب وفنون الإنشاء، النقد والطرفة والخبر، وما حفظه من آراء بعض النّقاد والبلاغيين الذين ضاعت كتبهم مع الزمن، وما نقله من آثار بعض الأدباء الذين فقدت كتاباتهم مع ما فقد من التراث العربيّ آنذاك، فكان هذا الكتاب مصدرا مهمّا
لهؤلاء وهؤلاء. وفي «شرح بديعيّته» من الفوائد اللغوية والأدبية والبلاغية والنحوية والتاريخية وغيرها، فنون أكثرها من المستملح المستطرف المستطاب.