فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 1046

ويبدو أنّ الفتح الجديد للبلاغة العربية عامة وللبديع خاصّة قد تحقّق منذ ظهور «بردة» البوصيري التي طارت في الآفاق وأحبّها الناس وحفظوها وغنّوها، ومنذ معارضة الحلّيّ لهذه «البردة» ببديعيّته التي نهج فيها نهج البوصيريّ بالتزامه المديح

النبويّ المسيطر على الأدب آنذاك، إذ إنّ هذين العملين فتحا القلوب للبديعيّات كونها مديحا نبويّا، ولفنون البديع بشكل خاصّ، وعلوم البلاغة بشكل عامّ.

وبهذه المحبّة البالغة تلقّى الناس «البديعيات» بقبول حسن، واحتضنوها ورحّبوا بها، فتسابق الشعراء إلى نظمها وقد رأوا فيها الغاية المثلى التي ينشدون، والهديّة الرائعة التي يتقدّمون بها إلى أولي الأمر، كما أقبل الشرّاح على مواردها، وما ذاك الحشد من «البديعيات» وذلك الجمع من «الشروح» الذي تلقّاه الناس متتاليا عبر سبعة قرون من عمر هذا التراث إلّا دليل على تقبّل جمهور الناس لهذا الفنّ، وإقبالهم عليه، ورضاهم عن فاعليه الذين حرصوا كلّ الحرص على امتلاك قلوب الناس وتحريك عواطفهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. كما أنّ حضّ أولي الأمر على نظم هذا الفنّ وحرصهم عليه، تقرّبا وزلفى لدى الناس، لدليل واضح على مكانة هذا الفن في نفوس الناس وتأثيره فيهم.

وهكذا غدت «البديعيات» قصائد شعبيّة، وغدت البلاغة معها فنّا شعبيّا، لما حملته في ثناياها من فنون البديع بعد أن كانت علما متربّعا في برج عاجيّ لا يدركه إلّا خواصّ المثقّفين، ثمّ صار للبديعيات أثر متتابع مطّرد لدى الناس على تقبّل كلّ جديد من هذا الفنّ لما تحمله من صلات وروابط بقلوب الجماهير، ولعلّ في ذلك إشارة إلى سيطرة طابع الصنعة البديعية على الحياة الأدبية لما انطبع في الذوق العام من صنعة وزخرفة، جعلته يتقبّل هذه الصنعة المتمثّلة في هذا الفنّ، ومن هنا تبدو علاقة التأثير والتأثّر متبادلة بفضل تلك «البديعيات» ، فالتقى الناس مع البلاغة، والبديع خاصة، والشعراء مع الناس، في موكب «البديعيات» .

2 -ترسيخ أسس البديع وتأكيد انفصاله عن علمي «البيان» و «المعاني»:

سبق في الفصل الأوّل من هذه الدراسة أن تكلّمت على نشأة البلاغة العربية واتّحاد أقسامها (البيان والمعاني والبديع) وانقسامها.

فقد كانت «البلاغة» ترادف «الأدب» ثمّ تحوّلت منذ «بيان» الجاحظ إلى جملة من المقاييس الفنيّة يحكم من خلالها على جودة النص أو رداءته، إلى أن أصبحت تعني العلوم الثلاثة المعروفة في مرحلة من مراحل تطوّر البلاغة العربيّة.

لقد بدأت هذه «البلاغة» بعلومها الثلاثة متّحدة منذ «بديع» ابن المعتزّ حتى جاء

«مفتاح» السّكاكيّ ليفتح باب البلاغة على مصراعين: علم المعاني وعلم البيان، إلّا أنّه عدّ أنواع البديع وجوها يصار إليها لتحسين الكلام وقسّمها إلى محسّنات لفظيّة وأخرى معنويّة، ثم جاء القزوينيّ ب «تلخيصه» ليجعل من «البديع» قسيما لعلمي «البيان» و «المعاني» ، يزاحمهما في مجالات الأدب، وعرّفه بقوله: «هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة» (1) ، وجمع من أنواع هذه الفنون سبعة وثلاثين نوعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت