فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 1046

تعميم البلاغة ونشرها بين الناس.

ترسيخ أسس «البديع» وتأكيد انفصاله عن علمي «البيان» و «المعاني» .

العودة بالبديع إلى أحضان المدرسة الأدبيّة.

استنباط أنواع بديعيّة جديدة.

1 -تعميم البلاغة ونشرها بين جمهور الناس:

كان إكثار الشعراء، منذ مطلع العصر العباسيّ، من المحسنات البديعية قد أثار ضجّة حول فاعليها، فانقسم الناس إثر ذلك بين رافض مستقبح، ومؤيّد مستملح، ممّا حمل بعض الأدباء، كابن المعتزّ، على التأليف في البديع، محتجّا له بشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر القديم. ثمّ استمرّ التأليف في البلاغة العربية منذ ذلك الوقت إلى زمن صفي الدين الحليّ، إلّا أنّ كلّ ذلك لم يجعل من البلاغة فنّا يقبل عليه جمهور الناس كلّ الإقبال، بل بقيت البلاغة في برجها العاجيّ، يقتربون منها أحيانا وينفرون منها أحيانا أخرى بحسب ما تمليه عليهم أذواقهم وظروفهم. ولكن هذا لا يعني أنّ البلاغة بفنونها كانت غريبة عن الناس، بل إنّ قواعدها والإكثار من استخدامها بتكلّف جعل العرب يمجّونها، حالهم في ذلك حالهم مع النحو وقواعده، فكما ألفوا الفصاحة وسلامة النطق بالفطرة والسليقة ونبذوا قواعدها وقوالبها الإلزامية، فكذلك ألفوا البلاغة، ولعلّها كانت أبين من النحو وأوضح. ولهذا لم يستطع البلاغيون، حتّى زمن البديعيات، أن يجعلوا من البلاغة فنّا شعبيّا، إنّما هيّأوا لذلك من خلال الكتب المؤلّفة في البلاغة والبديع، منذ «بيان» الجاحظ إلى «بديعية» الحلّيّ.

وعندما جاءت البديعيّات بهذا القالب الشعريّ، ذي المضمون الدينيّ، المحمّل بأنواع البديع، طرحت نفسها في سوق الأدب تتطلّع إلى مشاعر الناس وعقولهم، وكان امتحانها الأوّل والعسير، إذ كيف سيواجه الناس قصيدة طويلة في كلّ بيت من أبياتها صورة بديعية على الأقلّ، وهم الذين استكثروا بضع صور بديعية في قصيدة ما.

ويبدو أنّ الفتح الجديد للبلاغة العربية عامة وللبديع خاصّة قد تحقّق منذ ظهور «بردة» البوصيري التي طارت في الآفاق وأحبّها الناس وحفظوها وغنّوها، ومنذ معارضة الحلّيّ لهذه «البردة» ببديعيّته التي نهج فيها نهج البوصيريّ بالتزامه المديح

النبويّ المسيطر على الأدب آنذاك، إذ إنّ هذين العملين فتحا القلوب للبديعيّات كونها مديحا نبويّا، ولفنون البديع بشكل خاصّ، وعلوم البلاغة بشكل عامّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت