شهد القرن السابع الهجريّ لونا جديدا من التأليف في البلاغة هو «البديعيّات» ، وبظهور أوّل بديعيّة، انطلق ركب «البديعيات» يمخر عباب التراث العربي والإسلاميّ، ويسجّل على صفحاته معالمه وآثاره التي استمرّت واضحة حتى القرن الرابع عشر. وعلى امتداد سبعة قرون من عمر هذا التراث، جابت خلالها «البديعيات» معظم أصقاع الدولة العربية الإسلامية، فصالت وجالت في أنحائها، فتوارثها الشعراء جيلا بعد جيل، حتى بلغت كما مرّ في الفصل السابق نيّفا وتسعين بديعيّة، لعلّ أهمّها وأبرزها البديعيات الأولى والتي أدركت أوج ازدهارها ونضجها في ربيع عمرها الممتدّ حتّى نهاية القرن العاشر قبل أن تأخذ بالشيخوخة والذّويّ والذبول. وقد اقتصرت في هذا الفصل على عرض أربع من بديعيات القرنين الثامن والتاسع لارتباطها الشديد بهذا البحث، ولتميّز كلّ واحدة من هذه الأربع بميزة تخالف بها الأخرى، رغم أنّ الكلام على بديعيّة واحدة يجزئ عن الكلام على بديعيات كثيرة.
هذه البديعيات هي: البديعية الأولى وهي لصفيّ الدين الحلّيّ، وبديعية ابن جابر الأندلسيّ، وبديعية عز الدين الموصليّ، وبديعية ابن حجّة الحمويّ.
أمّا البديعية الأولى فهي «الكافية البديعية في المدائح النبويّة» : وهي أوّل بديعية مكتملة في تاريخ البديعيات [1] ، نظمها عبد العزيز بن سرايا بن علي السّنبسيّ الطائيّ المعروف ب «صفيّ الدين الحلّيّ» المتوفّى سنة (750هـ.) ، الذي يعتبر أوّل من نظم القصائد النبوية الجامعة لأنواع البديع المسمّاة ب «البديعيات» . وقد سبق أن أشرت إلى سبب نظمه لها، من وجود العلّة المانعة من تأليف كتاب في البديع كان قد هيّأ له بقراءة سبعين كتابا في هذا الفنّ، فأراد أن يلتجئ إلى الله متوسّلا بشفاعة رسوله الكريم، فنظم مدحة نبويّة طرّزها بفنون البديع، عاملا على إيجاد فنّ جديد في الشعر
(1) وقد سبق الحديث عن أولية هذه البديعية في الفصل الثاني، وفي سياق الكلام على نشأة البديعيات.