فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1046

في هذه العصور رغم اندماجه وتلاشيه في ثنايا البلاغة عامّة، وكتب البديع خاصّة، كما أنّ له الفضل في تقييم نتاج شعراء عصره بقيم نقديّة هي أقرب ما تكون إلى النقد الصحيح في عصر يكاد يخلو من النقاد ذوي الذوق السليم، فكان ابن حجّة ناقدا يتلاءم مع عصره ومع قيمة الأدب الذي ساد فيه. ويرى محمود الربداوي أن لا غرابة في أن يصل النقد في ذاك العصر إلى الدرجة التي وصل إليها، ذلك أنّ الشاعر هو نفسه الناقد، والناقد هو الشاعر، ولا يسعنا إلّا أن نقول للشاعر: «فيك الخصام وأنت الخصم والحكم» [1] .

ح شخصيّته وأقوال النّاس فيه:

لعلّ أوّل صفة تتميز بها شخصية ابن حجّة هي العصاميّة، إذ لم يكن ينحدر من أسرة عريقة، أو ذات منزلة في العلم والأدب، بل كان كلّ ما فعله أبواه له أن علّماه القرآن الكريم، ثم دفعا به إلى العمل في مهنة الحرير وعقد الأزرار، إلّا أن نفسه أبت عليه ذلك، وسمت إلى الاشتغال بالعلم والأدب، فراح يثقّف نفسه بنفسه ويتردّد إلى أهل العلم وشيوخ الأدب، ويرحل من قطر إلى قطر، ويتعرّف على أرباب الأقلام والمثقفين كالقضاة والكتّاب والأدباء حتى حذق الأدب وثقفه، كل ذلك بفضل عصاميّته التي أصبح بها جديرا بالاحترام والتقدير. وقد أكسبه تنقّله بين الأمصار صفة أخرى وهي أنه بات جوّاب الآفاق، يحبّ الرحلة من بلد إلى آخر، ويملّ الإقامة في مكان واحد مدّة طويلة، وقد دفعت به هذه الصفة إلى حبّ المغامرة، فعانى الاختفاء أكثر من مرّة في دمشق وحلب، وهرب مرّة من طرابلس إلى مصر، وتشدّد في التنكّر لخصومه حتى سدّدوا له نبالهم وأفحشوا فيه القول، إلّا أنه لم يعبأ بهم.

ومن أهمّ صفاته التي تؤخذ عليه أنّه كان معجبا بنفسه معتدّا بها فخورا بتفكيره، مزهوّا بشعره، وقد جرّه ذاك الإعجاب وهذا الفخر إلى الحظّ من قدر الآخرين والازدراء بهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، فصفيّ الدين الحليّ وشعره وإنشاؤه ليس بشيء في نظره، وابن الكويز ليس من الأعلام برأيه، ولعلّ ازدراءه بالآخرين يبلغ مداه عندما يقرظ قصيدة لشاعر أو رسالة لأديب، أو حتّى بيتا واحدا من الشعر، أو صورة بديعة، أو نوعا من أنواع البديع ورد عند أحد الشعراء. وعندما يصل إلى

(1) «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت