فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 1046

بديعيته وما سبقها من البديعيّات كبديعية الصفيّ، وبديعية ابن جابر، وبديعية الموصليّ، وبديعية ابن حجّة وغيرهم، ليؤكّد للناظر أن لا فضل للسابق على اللاحق إلّا بما يستحقّ. وترى ظاهرة التتبّع عنده منذ بداية الشرح حتى نهايته [1] .

وهؤلاء الثلاثة «ابن حجّة، والنابلسيّ، وابن معصوم» كانوا أكثر تعصّبا لما عندهم، وأشدّ هجوما على غيرهم، وبحثا عن عثرات من سبقهم واقتناصا لكبواتهم، والتشهير بهناتهم إلى درجة التفريط.

ويلي هذه الطبقة من المتتبّعين المتعصبين طبقة أخرى أكثر موضوعية ومرونة وأقلّ تحاملا من الطبقة الأولى، من ممثّليها: قاسم البكرجيّ، وأبو الوفاء العرضيّ [2] ، إذ تتبّع الأوّل منهما في شرحه عبد الغنيّ النابلسيّ في تعقّبه لابن حجّة في بديعيّته وشرحها، كما تتبّع غيره أيضا من أصحاب البديعيات، في حين اكتفى الثاني بالنقد الرزين ومحاولات الاعتذار عن زلّات الآخرين، والتغاضي عنها، مشيرا بهدوء إلى موطن الضعف عند من يتجرّأ على تخطيء الناس ونسيان نفسه.

إذا، إنّ الملامح النقدية المستقاة من البناء العام لتلك الشروح وغيرها، ومن ظاهرة التتبّع في عمل الشرّاح تشكّل صورة عن الحركة النقديّة التي تتراءى لنا من خلالها، لعلّها من أهمّ صور النقد الأدبيّ في مرحلة ممتدّة على مدى سبعة قرون من مراحل التراث العربيّ.

3 -ملامح نقديّة عامّة:

لم تقتصر الحركة النقديّة على الملامح المستقاة من خلال بناء الشروح العام، وتتبّع الشرّاح فيها لبعضهم، بل كانت تمرّ لمحات نقدية عامّة تلوّن شروح «البديعيات» بها وتوضّح شيئا من معالم النقد العامّة وأسسه وطرقه في ذلك العصر.

فهناك تتبّع للسرقات الشعرية، خارج نطاق «البديعيات» ، إذ كثيرا ما كان الشرّاح يشيرون إليها ويفضحون أمر مرتكبها، مبرهنين بذلك على سعة اطّلاعهم وتنوّع معرفتهم، وقدرتهم على النقد والتتبّع والتمحيص. وهذا ما نجده مثلا عند ابن حجة الحموي في خزانته ولا سيما أثناء كلامه على سرقات جمال الدين بن نباتة المصري

(1) انظر أنوار البديع في أنواع البديع 1/ 29، 91، 9593.

(2) انظر في تفصيل ذلك البديعيات في الأدب العربي ص 244241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت