فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 1046

المدرسة الأدبية والمدرسة الكلامية، وكان لكلّ من هاتين المدرستين خصائصها ومميّزاتها ورجالها الأعلام. أمّا المدرسة الأدبية، والتي ينتمي إليها شرح ابن حجّة، فلم تهتمّ بالتحديد والتقسيم للأنواع البديعية، كما أنّها لم تعتمد على المنطق ومسائل الفلسفة، بل كانت تستعمل المقاييس الفنيّة في الحكم على الأدب مع سهولة العبارة وسلاسة التركيب ووضوح الدّلالة، والإكثار من الشواهد الشعريّة والنثريّة. وعلى العكس من ذلك كلّه كانت المدرسة الكلاميّة. واحتدم الصراع بين تينك المدرستين على يد علماء البلاغة منذ «بديع» ابن المعتزّ إلى «مفتاح» السكاكيّ، وما إن ظهرت بديعية ابن حجة، إلى جانب أخواتها من البديعيات، بثوبها الشعريّ الطريف، مزيّنة

بشرحها، زاهية بمضمونها، متلألئة بين صفحات هذا الشرح الذي قطفت من رياض الأدب أطيب ثماره، وأجمل أزهاره، حتى كادت البديعية ذاتها تغرق في خضمّ هذا البحر المليء بالجواهر والدرر. فالإكثار من الشواهد إذا، منظومها ومنثورها، والبحث عن كلّ ما يستجاد ويستملح منها، والبحث عن مواطن الجمال فيها، إنّما هو من خصائص المدرسة الأدبية، مع تعريف النوع البديعيّ بأقصر عبارة وأوضح أسلوب، وبهذا تكون هذه البديعية، إلى جانب غيرها، قد عادت بالبديع إلى رياض الأدب وأحضان المدرسة الأدبية، وخلّصته من قيود الفلسفة والمنطق والأحكام العقليّة الجافّة التي سيطرت على البلاغة منذ بداية القرن السادس الهجريّ إلى زمن ظهور «البديعيات» و «شروحها» .

4 -كشف اللّثام عن بعض وجوه البلاغة:

لقد كشف شرح البديعية عن وجوه بلاغية هامّة كالجناس والتورية والاستخدام، فبيّن أهمية كلّ منهما في التركيب اللفظي والمعنويّ، كما بين تفاهة وجوه أخرى كالمراجعة والتخيير وغيرهما، وقد سبق الكلام على هذه. وقد دفع ابن حجّة اهتمامه بالتورية والاستخدام إلى تأليف كتاب بلاغيّ خاصّ بهما سمّاه «كشف اللّثام عن وجه التورية والاستخدام» ، بيّن فيه معالم المعركة المحتدمة بين أنصار اللفظ وأنصار المعنى، بل بين أنصار اللفظ المعنويّ، وأنصار اللفظ اللفظيّ، وبتعبير آخر: بين أصحاب التورية والاستخدام وما شابههما وأصحاب الجناس والطباق وما شابههما ثم راح يقارن فيه بين أبيات في الجناس وأخرى في التورية، مرجّحا التورية على الجناس.

ومن آرائه في الجناس: «ولم يجنح للجناس ولا يكثر استعماله إلّا من قصرت همّته عن اختراع المعاني التي هي كالنجوم الزواهر في أفق الألفاظ، وإذا خلت بيوت الألفاظ من سكان المعاني تنزل منزلة الأطلال البالية» [1] .

ومن آرائه في التورية ما نقله عن الإمام الزمخشريّ من قوله: «ولا نرى بابا في البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب، يعني التورية، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى وكلام نبيّه، (صلى الله عليه وسلم) ، وكلام الصحابة» [2] .

(1) كشف اللثام ص 6.

(2) كشف اللثام ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت