فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1046

والأدب كلّه، إذ لا يمكن لألفاظ ميتة أن تحيي معنى أو فكرة. ثم إنّ كثرة البديع كانت هي المجال الأكبر لمدرسة التجديد، أو مدرسة البديع، فنشأت الخصومات، وكان النقّاد ما بين مفتون به وساخط عليه. قال القاضي الجرجاني: «إنّ جلّ الأدباء والنقّاد رأوا في الافتنان في الحلية اللفظية المجال الأكبر للتجديد، إيمانا منهم بأنّ الأولين استغرقوا المعاني أو أتوا على معظمها، ولم يتركوا إلّا ما استهين به أو صعب الوصول إليه، فلم يبق أمام المحدثين شيء يولعون به إلّا البديع والحلية اللفظية، فكان الإبداع والإغراب منحصرا في هذا الميدان، وتبعهم النقاد ما بين مفتون به وساخط عليه» [1] .

وإذا كان البديع عند النقاد القدامى قد ظفر بحفاوة بالغة فاعتبر دليلا على كمال البراعة وإتقان الصناعة حتى عدّة قوم من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، فقد اختلفت الرؤية عند النقاد والدراسين المعاصرين، لأن الشعر لم يعد يكتب لينشد على الخلفاء في القصور أو الجماهير في الأسواق، وإنما يكتب ليقرأ، فنأخذ منه حصيلة فكريّة أو صورة اجتماعية، أو شحنة انفعالية ممّا لا يحتاج إلى تزويق أو تجميل، فقد غدا البديع صورة ترى، لا نغما يسمع، لذلك نظر النقّاد المعاصرون إلى البديع نظرة استخفاف وازدراء بخلاف نظرتهم إلى علمي المعاني والبيان، وغدا البديع برأيهم محسنات لفظية عقيمة، حوّلت مجرى الأدب العربيّ كله إلى زخارف لفظيّة خاوية من كل معنى عميق، أو إحساس صادق [2] .

3 -البديع وجمال اللفظ والمعنى:

إن اللغة العربية بقسميها الشعر والنثر، عندما تصاغ بأسلوب أدبيّ، تتميز بالجمال والكمال، وتمثّل قمّة الإبداع، لما تملكه من غنى عظيم في مفرداتها، وإتقان محكم في تراكيبها، وزخرف أخّاذ في أساليبها وأشكالها، وجمال موسيقيّ في لفظها وجرسها. وما يؤكد جمالها ويشهد بموسيقيّتها ذاك السجع في نثرها، وتيك القافية في شعرها، وتلك الفواصل في قرآنها كلّ ذلك ينبئ عن التماثل بين كلماتها والمشاكلة بين ألفاظها والانسجام بين عباراتها. ولعلّ أبرز ما يميّز جمال اللغة العربية وموسيقيّتها ما فيها من ألوان بديعية معنوية ولفظيّة، تظهر من خلال

(1) الوساطة ص 208.

(2) انظر فن البديع ص 2928.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت