الكلمة ومثيلتها، أو الكلمة وضدّها، إذ تلحظ الأضداد في الطباق والمقابلة كما تلحظ المماثلة في الجناس والمشاكلة في سياق سلس لا تنافر فيه ولا اضطراب وهذا ما دفع العرب إلى الزهو والمباهاة بلغتهم في مواجهة الشعوبية، فرصدوا ألفاظهم وجمعوا أشعارهم، وقصروا الجمال في اللفظ والمعنى على كلامهم دون غيرهم، فهذا الجاحظ يقول: «والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كلّ لسان» [1] .
وهذا ما يفسّر معنى الجمال ب «البديع» فقد كان العربيّ يتذوّق جمال الألفاظ في لغته وتراكيبها، ويفتنّ بجمالها وسحرها، فكلّما حسن الكلام عنده وعذب، التصق بالأسماع واتصل بالقلوب، ولا سيّما إذا ترجم المعنى الشريف بلفظ شريف، وعبر عنه بكلام سلس رشيق. ولهذا راح العربي يدقّق في اختيار ألفاظه ويتأنّق في تركيب عبارته، ويخلع عليها من الحسن ما يرفع من شأنها ويعلي من قدرها، فنراه يردّد النظر في الكلام بعد أن يفرغ منه، ويشرع في تهذيبه وتنقيحه، نظما كان أو نثرا، وذلك في سبيل الوصول إلى أدب جميل لفظا ومعنى وهذا ما كان يفعله زهير بن أبي سلمى في العصر الجاهلي، والفرزدق في العصر الأمويّ، ليكون الكلام آخذا بعضه بأعناق بعض متلاحما سليما مستحسنا متّسقا. فالبديع إذا، ليس ترفا في الأسلوب الأدبيّ أو حلية بمثابة الفضول يستغنى عنها، حتى يكون تابعا لعلمي البيان والمعاني، بل هو في مقدّمتهما يقوم بدوره في أداء المعنى وتحسينه من خلال اللفظ الحسن، فيقف جنبا إلى جنب مع الصور البيانيّة والمعاني وهذا ما جعل البعض يطلق عليه وعلى أنواعه اسم المحسّنات، مقسّما بعضها إلى محسّنات معنويّة وبعضها الآخر إلى محسّنات لفظيّة.
وفي القرآن الكريم كثير من أنواع البديع: كالجناس، والطباق، والمقابلة، والطيّ والنشر، والعكس والتبديل، وغيرها من الأنواع البديعية التي لم تكن فضولا من القول، ولم تأت لمجرد الزينة، وإنّما دعاها المعنى دون غيرها من الألفاظ ليكون له جلاء وبيان وفضل وتأثير. ولهذا كان للبديع دور كبير في تجميل المعنى بالقدر الذي يكون به اللفظ جميلا مستحسنا.
(1) البيان والتبيين 4/ 56.