فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1046

فالإكثار من الشواهد، منظومها ومنثورها، والبحث عن كلّ ما يستجاد ويستملح منها، والبحث عن مواطن الجمال فيها، إنّما هو من خصائص المدرسة الأدبية، مع تعريف النوع البديعيّ بأقصر عبارة وأوضح أسلوب، وبهذا تكون البديعيّات قد عادت بالبديع إلى رياض الأدب وأحضان المدرسة الأدبية، وخلّصته من قيود الفلسفة والمنطق والأحكام العقليّة الجافّة التي سيطرت على البلاغة منذ بداية القرن السادس الهجريّ إلى زمن ظهور البديعيات وشروحها [1] .

4 -استنباط أنواع بديعيّة جديدة:

لقد فتح ابن المعتزّ في كتابه «البديع» بابا لاستخراج أنواع جديدة من البلاغة عامة واستنباطها على مرّ الأيّام عندما قال: «ونحن الآن نذكر بعض محاسن الكلام والشعر، ومحاسنها كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدّعي الإحاطة بها ويعلم الناظر أنّا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختبارا من غير جهل بمحاسن الكلام فمن أحبّ أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع، ولم يأت غير رأينا، فله اختياره» [2] .

وبذلك بدأ العلماء يبحثون عن أنواع جديدة ويرصدونها ويجرون وراء استنباطها وتسجيلها والفوز بقصبات السبق في ذلك [3] . ودأب أصحاب البديعيّات دأب هؤلاء، وراحوا يبحثون عن أنواع جديدة يضيفونها إلى البديع، مع العلم أن فاتح باب البديعيات، صفي الدين الحليّ، أحجم عن ذكر أيّ نوع جديد استنبطه في بديعيّته خوفا من ألسنة الحاسدين، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «ثمّ أخليتها من الأنواع التي اخترعتها، واقتصرت على نظم الجملة التي جمعتها، لأسلم من شقاق جاهل حاسد أو عالم معاند، فمن شاقق راجعته إلى النقل، ومن وافق وكلته إلى شاهد العقل» [4] .

إلّا أنّ من تابع الحلّيّ في صنيعه ذاك لم يلتزم بما التزم به في قوله هذا، بل لقد

(1) البديع ص 58.

(2) انظر أواخر الفصل الأوّل من هذه الدراسة: «نشأة علم البديع وتطوره حتى زمن ابن حجة الحموي» وشرح الكافية البديعية ص 52، 53.

(3) شرح الكافية البديعية ص 55.

(4) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت