أخذ ابن حجّة الحمويّ من كلّ علم بطرف، وذاع صيته واشتهر علمه فأصبح ملك المتأدّبين، وإمام الأدباء، شاعر الإسلام، ورئيس دواوين الإنشاء، وأشهر كتّاب عصره المتفنّنين.
ابن حجّة الشاعر والأديب: لقد عانى ابن حجّة النظم في فترة مبكّرة من حياته، وكان أوّل نظمه في الزجل والمواليا، إذ لم يكن قد ملك ناصية اللغة أو زمام حذاقة التعبير، كما لم يكن لديه، في تلك الفترة، الزاد الأدبي الذي يسعفه على نظم القريض وتعاطي فنّ القصيد إلّا أنّه بالرغم من ذلك، فقد توفّرت لديه الحوافز والمشاعر الوجدانية التي دفعته إلى أن يعبّر عن أحساسيسه ووجدانه، قبل أن تنضج قريحته أو تستكمل أداة التعبير، وذلك من خلال فنّ الزجل والمواليا، وهو ظاهرة فنّية شعبية تقوم على اللغة العامية، وسيلة التعبير السائدة آنذاك بين عامّة الشعب. وما إن تقدّم في عمل الأزجال والمواليا، حتّى أقبل على نظم القصيد، كما يقول السخاوي [1] : وقال ابن العماد الحنبليّ:
«وعانى عمل الحرير يعقد الأزرار، وينظم الأزجال، ثم مال إلى الأدب، ونثر ونظم» [2] . ولقد حاول ابن حجّة أن يرفع من قدر فنّ الزجل، فقال في شرح البديعية: إن الشيخ شمس الدين بن الصائغ قد أورد في شرحه ل «البردة» شيئا من محاسن الزجل، واستشهد فيه [3] وما إنّ اشتدّ ساعد ابن حجّة في هذا الفنّ وطال باعه حتى أصبح إماما فيه، وقد ألّف فيه كتابا سمّاه «بلوغ الأمل في فنّ الزّجل» .
وبعد أن اشتدّ ساعده في نظم الزجل، وتمكّن من اللغة والأدب، انتقل إلى نظم الشعر وحذق القصيد، فانصرف إلى تحبير القصائد، وكانت أوّل محاولة شعريّة له تلك القصيدة الكافية التي مدح بها قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، ومطلعها (من البسيط) :
طربت عند سماع وصف مغناك ... فكيف لو كان هذا عند مغناك [4]
والجدير بالذّكر أنّ هذه القصيدة عارض بها ابن حجّة قصائد كبار شعراء العصر
(1) الضوء اللامع 11/ 53.
(2) شذرات الذهب 7/ 219.
(3) خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 316.
(4) ديوانه ورقة 36ب.