فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 1046

2 -موقف النقّاد من البديع:

وقف النّقّاد من البديع وأهله موقفين متباينين: موقف علماء انداح زمنهم من القرن الخامس الهجريّ إلى القرن الرابع عشر، أحبّوا البديع وألوانه، ولا سيّما ما احتوى صورة مبتكرة، ونمّ عن رشاقة، وتوشّح بأسلوب عذب رفيع، فإنه كان يخلب ألبابهم ويسلب عقولهم، سواء جاء بصورة جناس أو تورية أو غير ذلك، فالفنون البديعية جميعها عندهم سواء طالما كانت تملك مسحة من الجمال، أمّا إذا وجدوا فيها شيئا من التكلّف فكانوا لا يعبأون بها.

أمّا الموقف الثاني فهو موقف معظم النقّاد المعاصرين، فقد وقفوا موقفا متشنّجا من البديع وأهله وعصره وأدبه شعره ونثره، إذ إنهم رفضوا كلّ ما جاء به العصران المملوكيّ والعثماني وأواخر العصر العباسيّ قبلهما، دون أن يفرّقوا بين الفنون البديعية، وبين الشعراء، وبين الإنتاج الأدبيّ، وبين من نجح في ذلك ومن أخفق، وبين ما جاء عفوا وما جاء متكلّفا [1] ، ذلك لأنّ كثرة الإفراط في البديع في تلك الفترة خلقت في صفوف هؤلاء ضجّة كبيرة وفي نفوسهم اشمئزازا عظيما، حتى غدت كثرة الإفراط في البديع مشكلة مطروحة على طاولة النقد منذ عهد ابن المعتز، إذ كثر الإفراط فيه على يد بشّار ومسلم بن الوليد وأبي نواس ومن سلك مسلكهم ولعلّ ابن المعتز هو أوّل من نبّه إلى هذه المشكلة بانتقاده لأبي تمام إذ قال: «ثمّ إن حبيب ابن أوس الطائيّ من بعدهم شغف به حتى غلب عليه وتفرّع فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف» [2] . ويرى ابن المعتزّ أن لا مانع من أن يقول الشاعر في قصيدته البيت والبيتين من هذا الفنّ، وكان يستحسن ذلك منه إذا أتى نادرا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل [3] . ثمّ صار أبو تمام حديث الناس، ورماه النقاد بإفساد الشعر، فقال الآمدي: «إنّ أوّل من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وإن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحيّر فيه» ، وقيل عن شعره بأن ثلثه كان إغراقا في طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافا في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها حتى صار كثيرا ممّا أتى به من المعاني لا

(1) انظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد ص 6.

(2) كتاب البديع ص 1ونظم الدر والعقيان ص 5655.

(3) كتاب البديع ص 1ونظم الدر والعقيان ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت