فكلّ بديع مستلزم للمعاني والبيان لأنّهما جزآه، وكل بيان مستلزم للمعاني لأنها جزؤه، وليست المعاني مستلزمة للبيان ولا للبديع إذ توجد بدونهما، وذلك في كلام طابق مقتضى الحال، ولم تعلم كيفية طرق دلالته ولا وجوه تحسينه، ولا البيان مستلزم للبديع إذ يوجد بدونه في كلام طابق مقتضى الحال وعلمت كيفية طرق دلالته ولم تعلم وجوه تحسينه، وهذا يعني أن المعاني والبيان بالنسبة إلى البديع كالحيوان والنطق بالنسبة إلى الإنسان، إذ لا بديع بدونهما كما لا إنسان بدون حياة ونطق.
والمعاني بالنسبة إلى البيان كالحيوان بالنسبة إلى النطق، فتوجد المعاني بلا بيان كما يوجد الحيوان بلا نطق ولا يوجد البيان بلا معان كما لا يوجد النطق بدون الإنسان [1] ، الذي هو البديع. فالبديع إذا، ليس مجرد حلية، وإنما هو مرتبط بالمعنى، وفصل البيان عن البديع نوع من الافتعال.
يتّضح ممّا سبق أنّ البلاغة لا تحصل إلّا لمن استكمل العلوم الثلاثة: المعاني وهو علم يحترز به من الخطأ في خواصّ التركيب المعنويّ، والبيان وهو علم يبحث في طرق دلالة المعاني ويحترز به عن تعقيدها، والبديع وهو علم يبحث في وجوه تحسينها [2] . وهذا يعني أنّ علم البديع، كعلمي المعاني والبيان، يعرف به التحسين الذاتيّ (المعنى) ، بالقدر الذي يعرف به التحسين العرضيّ (اللفظ) .
بالإضافة إلى ذلك فإن علم البديع يهدف إلى إظهار رونق الكلام حتى يلج الأذن بغير إذن، ويتعلّق بالقلب من غير كدّ، بل هو علم يهدف إلى اكتشاف عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام الأدبي الرفيع، شعرا ونثرا، وسبر أعماق الإبداع وتحديد معالمه وتربية القدرة على الإحساس به، إلّا أنّ الباقلّانيّ يرى أن لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووصفوه، وإن كانت نظرته إلى البديع شاملة، وذلك لأنّ هذا الفنّ ليس فيه ممّا يخرق العادة ويخرج عن العرف بل يمكن استدراكه بالتعلّم والتدرّب [3] . ومهما يكن، فالبديع يبقى وجها من وجوه الإعجاز، أو على أقلّ تقدير فهو باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة.
(1) نظم الدر والعقيان ص 5352.
(2) نظم الدر والعقيان ص 54.
(3) إعجاز القرآن ص 159، 162.