فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1046

وقد ذكر الجاحظ أنّ مصطلح «البديع» أطلقه الرواة على المستطرف الجديد من الفنون الشعريّة وعلى بعض الصور البيانيّة التي يأتي بها الشعراء في أشعارهم فتزيدها حسنا وجمالا، إذ قال معلّقا على بيت الأشهب بن رميلة (من الطويل) :

هم ساعد الدهر الذي يتّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد [1]

«قوله: «هم ساعد الدهر» إنما هو مثل، وهذا الذي تسمّيه الرواة «البديع» » [2]

ومن هنا كانت بداية المعنى الاصطلاحيّ ل «البديع» .

أمّا البديع، في الاصطلاح، فهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام المطابق لمقتضى الحال المعلومة كيفيّة طرقه في الدلالة وضوحا وخفاء [3] . وقال ابن خلدون: «هو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق، إمّا بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه، لاشتراك اللفظ بينهما، أو طباق بالتقابل بين الأضداد، وأمثال ذلك» [4] .

ويتّضح من هذا المعنى أن «العلم بوجوه تحسين الكلام» لا يسمّى بديعا إلّا بشرطين: أن يكون ذلك الكلام مطابقا لمقتضى الحال، وأن تكون كيفيّات طرق دلالته معلومة الوضوح والخفاء، فالشرط الأوّل هم علم المعاني، والشرط الثاني هو علم البيان، فلو عدم أحد هذين الشرطين من الكلام لم يكن العلم بوجوه تحسين ذلك الكلام بديعا، ولكان البديع كتعليق الدرّ على أعناق الخنازير [5] . وبهذا يعني أنّ نسبة علم البديع إلى علمي المعاني والبيان كنسبة المركّب إلى مفرداته، وليس كنسبة التابع إلى المتبوع، والعرض إلى الجوهر، فكما أنّ المركب لا يستقيم وجوده إلّا بوجود مفرداته كذلك البديع لا يستقيم إلّا بوجود المعاني والبيان، ثمّ إنّ أهمّ هذه الفنون الثلاثة هو علم المعاني وأخصّها علم البديع، لأنّه متركّب من الفنّين الآخرين وزيادة وعلم البيان متوسّط بينهما، فهو مشتمل على المعاني مندرج تحت البديع،

(1) البيان والتبيين 4/ 55.

(2) البيان والتبيين 4/ 55.

(3) نظم الدر والعقيان ص 51والإيضاح ص 287.

(4) مقدمة ابن خلدون ص 342.

(5) نظم الدر والعقيان ص 52وكشف الظنون 1/ 232.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت