شهد القرن السابع الهجري لونا جديدا من التأليف في البلاغة عامة والبديع خاصّة على يد يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفي سنة (628هـ.) ، ومن ثمّ على يد عليّ بن عثمان الإربليّ (المتوفّى سنة 670هـ.) [1] ، معاصر ابن أبي الأصبع المصريّ، إذ نظم قصيدة مدح في شخص مجهول، من ستّة وثلاثين بيتا، في كلّ بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره، وقد وضع بإزاء كلّ بيت اسم المحسّن البديعيّ الذي تضمّنه، دون أن يسمّي قصيدته «بديعيّة» [2] .
وتعتبر هذه القصيدة المحاولة الأولى في الاتجاه الذي أخذ بعد ذلك يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد مدح عرفت فيما بعد باسم «البديعيّات» .
وقبل الكلام على هذه «البديعيات» لا بدّ من إظهار العلاقة بينها وبين المدائح النبويّة.
لقد كثرت المدائح في شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وسلم) منذ أن بعث هاديا ومبشّرا ونذيرا، وبرزت على يد المتصوّفين من الشعراء خاصة، إذ إنّها لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب رفيع من الأدب، لا يصدر إلّا عن قلوب مفعمة بالإيمان، ملأى بالإعجاب بشخصه الكريم. وقد نشأت هذه المدائح النبوية منذ أواخر العصر الجاهليّ، بدليل أنّ الأعشى مدح الرسول الكريم في السنة الثامنة للهجرة في قصيدة له مطلعها (من الطويل) :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السّليم المسهّدا [3]
وكذلك فعل كلّ من حسّان بن ثابت وكعب بن زهير، وشعراء كثيرون في صدر الإسلام والعصرين الأمويّ والعباسيّ إلى أن نشأ في العصر المملوكيّ حول
(1) سيأتي الكلام عليهما في هذا الفصل.
(2) سيأتي تعريف «البديعيات» في الفصل التالي، بعد الكلام، في هذا الفصل، على «نشأتها وتطورها» إذ لم أجد لها تعريفا إلّا بعد ذكر خصائصها منذ نشأتها.
(3) ديوانه ص 100.