مديح الرسول فنّ كبير، نما وازدهر ازدهارا كبيرا، وهو فنّ البديعيّات، وقد أكثر منه شعراء هذه الفترة، حتى لا يكاد شاعر يخلو شعره من بديعيّة يمدح فيها الرسول، إلّا أنّ هذه البديعيات لم تعد أثرا شعريّا فنّيّا وحسب، بل طغت عليها الناحية العلميّة لما حوته من فنون وصور بديعيّة.
إذا لم يكن مديح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحده كافيا لإنشاء القصيدة البديعيّة، رغم كونه أساسا في كيانها، إنّما أصبحت البديعيّة تضيف إلى المديح النبويّ ألوان البديع، مع المحافظة على البحر البسيط، والميم المكسورة رويّا، وطول القصيدة أبياتا.
ويبدو أنّ الذي فجّر ينبوع البديعيّات شاعر صوفيّ مصريّ من قرية «بوصير» من أعمال بني سويف، مغربيّ الأصل، من قبيلة صنهاجة، اسمه محمد بن سعيد بن حمّاد بن عبد الله الصّنهاجيّ الدولاصيّ ثمّ البوصيريّ، شرف الدين، المولود سنة 608هـ.، والمتوفّى في الإسكندرية سنة 694هـ. [1] .
لقد نظم هذا الشاعر قصيدة في مديح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، من مئة وستّين بيتا [2] ، عرفت ب «البردة» أو «البرأة» ، مطلعها (من البسيط) :
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم [3]
فكانت قصيدته فتحا كبيرا في باب المدائح النبويّة، ولجه الشعراء بعده، وأصبحت مثلا يحتذى ونهجا يسلكه المادحون. وأمّا عن سبب نظم هذه القصيدة فيقول البوصيري: «كنت قد نظمت قصائد في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) منها ما كان اقترحه عليّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي، ففكّرت في عمل قصيدتي هذه، فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكرّرت إنشادها، ودعوت، وتوسّلت، ونمت، فرأيت النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ، فمسح وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة، فقمت
(1) كشف الظنون 2/ 1331.
(2) كما وردت في الديوان ص 165وما بعدها وفي كشف الظنون 2/ 1331، «من مئة واثنين وستين بيتا» .
(3) ديوانه ص 165.