وخرجت من بيتي» [1] ، ومنذ ذلك الوقت عرفت قصيدته ب «البردة» ، كما عرفت ب «البرأة» لأنّ البوصيريّ برئ بسببها من علّته.
ثم انطلقت هذه القصيدة تجوب الآفاق، فانتشرت بين الناس أيّما انتشار، ونشأت حولها شروح كثيرة وتناولها المقلّدون والمعارضون والمشطّرون والمربّعون، والمخمّسون، حتى أصبحت مجالس الصوفيّة وحلقاتها لا تفتتح وتختتم إلّا بها [2] . وذلك يعود لموضوع القصيدة أولا، ولسلاسة نظمها وعذوبته، ورقّة ألفاظها وجمال تراكيبها، وروعة موسيقاها وانسياب وزنها وخفّة قافيتها وجمال رويّها، بالإضافة إلى قصّة الرؤيا التي تحدّث عنها البوصيريّ.
ولمّا كان للبردة ذاك الانتشار وذاك الأثر، كان لا بدّ لها من أن تؤثّر في أوّل قصيدة بديعيّة تلتها على يد صفيّ الدين الحلّيّ. ومن يقارن بين «البردة» و «بديعية» الحلّيّ وبين دوافع كلّ منهما، يجد بسهولة متانة العلاقة بين المدائح النبويّة عامّة والبردة خاصة من جهة، وبين البديعيات من جهة أخرى.
فالبوصيري الذي يعتبر ممثّل المدائح النبوية، والحلّي الذي يعتبر ممثّل البديعيات، تعرّض كلّ منهما لمرض عضال ألجأهما قبل أن ينظما قصيدتيهما إلى الله تعالى متوسّلين بنبيّه آملين الشفاء كما أنّ كليهما قد برئ من مرضه بعد نظم القصيدة، ثمّ إنّ كليهما قد سلك سبيل الشعر في توسّله لله، وكلاهما نظم قصيدته من البحر البسيط، ورويّ الميم المكسورة، إلّا أنّ صفيّ الدين زاد على البوصيريّ بتضمينه قصيدته الفنون البديعيّة، وقد أشار إلى ذلك عبد الغني النابلسيّ في كتابه «نفحات الأزهار على نسمات الأسحار» إذ قال: «فنظم قصيدة من بحر البسيط على قافية الميم، مدح فيها النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ، مثل قصيدة الأبوصيري التي سمّاها «البردة» ، جامعا فيها مئة وواحدا وخمسين نوعا من البديع، وإن عدّت أصناف التجنيس نوعا واحدا بلغ ذلك مئة وأربعين نوعا» [3] .
كلّ هذه الاتفاقات بين الناظمين البوصيريّ والحليّ، وبين قصيدتيهما تدلّ على
(1) فوات الوفيات للكتبي 3/ 368وكشف الظنون 2/ 13321331.
(2) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 21.
(3) نفحات الأزهار ص 3.