فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1046

لقد بدأت هذه «البلاغة» بعلومها الثلاثة متّحدة منذ «بديع» ابن المعتزّ حتى جاء

«مفتاح» السّكاكيّ ليفتح باب البلاغة على مصراعين: علم المعاني وعلم البيان، إلّا أنّه عدّ أنواع البديع وجوها يصار إليها لتحسين الكلام وقسّمها إلى محسّنات لفظيّة وأخرى معنويّة، ثم جاء القزوينيّ ب «تلخيصه» ليجعل من «البديع» قسيما لعلمي «البيان» و «المعاني» ، يزاحمهما في مجالات الأدب، وعرّفه بقوله: «هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة» [1] ، وجمع من أنواع هذه الفنون سبعة وثلاثين نوعا.

إذا في القرن السابع الهجريّ تمّ انفصال هذا الفنّ «البديع» واستقلاله عن علمي «المعاني» و «البيان» ، وهذا يعني أنّ ظهور أوّل بديعية إلى الوجود على يد الحلّيّ واكبت هذا الانفصال، أو لنقل: إنّ هذا الانفصال كان حديث العهد أثناء ولادة «البديعيات» .

ومن هنا كان ظهور البديعيات، واشتمالها على فنون البديع عامّة دليلا مميّزا وواضحا في تأكيد انفصال هذا الفنّ عن علمي «البيان» و «المعاني» ، وإشاعة هذا الانفصال بين الناس عن طريقها، رغم أنّهم جعلوا ضمن أنواع البديع بعضا ممّا يعتبر اليوم من البيان، كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز.

وما أكّد هذه الظاهرة الانفصالية لهذا الفن ترسيخ قواعده وتوضيح أنواعه وتحديدها من خلال الشروح التي قامت على «البديعيات» واقتصارها على فنون البديع المعروضة في ثنايا البديعية أو التي تلمح منها، كما أنّ الإشارة إلى حياة هذا الفنّ، منذ نشأته إلى زمن البديعيات، في مقدمات تلك الشروح، ساعدت على استقلال فنّ البديع بنفسه وتوضيح معالمه، وترسيخ أسسه، وتحديد فنونه، ونشر ذلك كلّه بين جمهور الناس فكان ظهور البديعيات إذا ومؤازرة تلك الشروح لها، وانتشارها السريع بين الناس أكبر مساعد على تأكيد تلك الظاهرة الانفصاليّة لهذا الفنّ.

3 -العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبيّة:

عرفت البلاغة العربية في مناهج بحثها الأولى اتجاهين واضحين، رغم أنّ كتب البلاغة قد يأخذ بعضها من بعض وتتّفق في المنهج إلى حدّ ما، فمن البلاغيين من سيطرت على كتبهم النزعة الأدبية، ومنهم من سيطرت على كتبهم النزعة الفلسفيّة

(1) انظر دراسات بلاغية ونقدية ص 1413.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت