والعقليّة، وكان نتيجة ذلك أن ظهرت مدرستان بلاغيّتان هما: المدرسة الأدبية، والمدرسة الكلامية، أو كما يسمّيهما السيوطيّ: طريقة العرب والبلغاء، وطريقة العجم وأهل الفلسفة، وكان لكلّ من هاتين المدرستين خصائصها ومميزاتها ورجالها الأعلام [1] .
أمّا المدرسة الأدبية فلم تهتمّ بالتحديد والتقسيم للأنواع البديعية، كما أنها لم تعتمد على المنطق ومسائل الفلسفة، بل كانت تستعمل المقاييس الفنيّة في الحكم على الأدب مع سهولة العبارة وسلامة التركيب ووضوح الدّلالة، والإكثار من الشواهد الشعريّة والنثريّة.
وعلى العكس منها كانت المدرسة الكلامية، إذ كان للفلسفة والمنطق أثر كبير فيها، وكان اعتمادها واهتمامها على التحديد الجامع والتقسيم المنطقيّ للأنواع البديعية، والإقلال من الشواهد، والاكتفاء بشواهد دالّة. وإن كانت خالية من أيّة قيمة جماليّة. وبين تنازع هذه المدرسة وتلك المدرسة ترعرعت البلاغة العربية وتوضّحت معالمها إلى أن جاء عصر «البديعيّات» .
وكان ابن المعتزّ صاحب أول كتاب في «البديع» يعدّ من أصحاب المدرسة الأدبية وكبار مؤسّسيها، وذلك بسلوكه طريقها في كتابه، ونهج بعض المؤلّفين في البلاغة نهجه، إلّا أنّ هذه المدرسة قد اضمحلّت أمام مزاحمة المدرسة الكلاميّة لها في بدايات القرن السادس الهجريّ، ولا سيّما بظهور «مفتاح» السكاكيّ الذي اعتمد في تأليفه على الأسلوب المنطقيّ والاستنباط العقليّ والتحديد الفلسفيّ، وبهذا كان السكاكي «أوّل الجناة المسرفين على علم البلاغة بإخضاعه للعلوم العقلية، فأضاع بهجته، وأخلق ديباجته» [2] .
وفي غمرة هذا التنازع بين المدرستين وتجاذب البلاغة بينهما، ظهرت «البديعيات» بثوبها الشعريّ الطريف، مزيّنة بشروحها، زاهية بمضمونها، متلألئة بين صفحات تلك الشروح التي قطفت من رياض الأدب أطيب ثمارها وأجمل أزهارها وأكثرت منها لدرجة كادت معها تضيع معالم «البديعية» وينسى الغرض الذي تهدف إليه تلك الشروح، وهو توضيح الأنواع البديعيّة وتحديدها.
(1) الصبغ البديعي ص 253.
(2) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 260.