فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 1046

وبناء على هذا المضمون المتنوّع لشرح البديعية وتلك الطريقة التي استخدمها في شرحه، يمكن تصنيف ابن حجّة ضمن أتباع المدرسة الأدبية البلاغية في تاريخ التأليف البلاغيّ عند العرب، لما أكثره من الشواهد الأدبية والبلاغية.

إلّا أنّ شرح ابن حجّة قد خلا كمعظم الشروح من السيرة النبويّة، كما خلا من شرح معنى بيت البديعية، وانصبّ الاهتمام على موضع النوع البديعيّ فيه ليس غير، ولعلّ ذلك يعود إلى غاية ابن حجّة المرجوّة من شرحه، والّتي تتمثّل في نشر بضاعته النادرة وعرضها في أسواق الأدب.

ب أثرهما في النقد:

إذا كانت بديعية ابن حجّة قد ارتبطت ارتباطا وثيقا بالأدب، إضافة إلى كونها فنّا شعريّا متميزا، فإن ارتباطها بالنقد كان أوثق، نظرا لتلازم النقد والأدب، ولتناولها أحد أسس النقد الأدبيّ، وهو فنّ البديع.

ولعلّ كثرة الآراء والمواقف التي كانت معها أو ضدّها هي التي جعلتها تعيش هذه الحياة الطويلة، وتشتهر هذه الشهرة الكبيرة، ويتوارد كبار الشعراء والأدباء والنقّاد على مناهلها، لذا لا بدّ من إظهار أثر هذه «البديعية» وما دار حولها من شروح ومواقف في الحركة النقديّة في زمنها، إذ كانت مع شرحها مادّة خصبة متنوعة تغذّي تلك الحركة النقديّة القويّة التي انطلقت منها.

1 -الحركة النقديّة حول بديعية ابن حجّة:

تتمثل هذه الحركة النقديّة في مجموع مواقف الناس منها، على اختلاف طبقاتهم، وما ألّف من كتب في هذه المواقف المتنوّعة.

أموقف الخاصّة:

لقد شاعت بديعية ابن حجة بين الناس، وانتشرت بين الشعراء، وحقّقت من الإقبال عليها ما لم تحقّقه أيّة بديعية أخرى في عصره، وربّما كان ذلك لما تضمّنته من نفحات دينية، لبست لبوس العصر المألوف من الزخرف والتلوّن والزركشة، بدليل أمرين، أوّلهما: أنّ ابن حجة عندما بلغ من الشهرة غايتها، ومن المعرفة والمقدرة الشعريّة والنثرية أوجها، يمّم نحو نظم البديعيّات ليدلي بدلوه فيها، مدلّلا بذلك على تمام شاعريّته واكتمال شهرته، وهذا ما دفع أصحاب المعرفة إلى أن يشهدوا له

بذلك، لتفوّقه ورسوخ قدمه في ميداني الأدب: الشعر والنثر وثانيهما: أنّ بديعيته كما رأينا سابقا كانت نتيجة لرغبة صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، محمد بن البارزيّ الجهنيّ، والذي رسم لابن حجّة بنظم قصيدة بديعية يعارض بها قصيدتي الموصليّ والحليّ، وأشار إليه بإرشاداته ولم يبخل عليه برأيه ونقده ليبزّ ببديعيته سابقتيها. وربّما كانت رغبة البارزيّ هذه بغية التقرب من جمهور الناس، والظهور أمامهم بمظهر التّقى في عصر كان يستهوي الناس مثل هذا المظهر، لما كان للمقياس الدينيّ من أثر في الفكر السائد آنذاك، وهذا ما يجعله يرتبط بمفاهيم النقد ومقاييسه في ذلك العصر. وإذا رأى أحدنا اليوم أن هذه البديعية كغيرها من البديعيات «صناعة من العبث، أضعفت من الشعر وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل» (1) فلأنّ مفاهيمنا النقديّة اليوم تختلف عن مفاهيم ذلك العصر، وإن كانت امتدادا لموروث ثقافيّ وبيئيّ واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت