فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 1046

لقد شاعت بديعية ابن حجة بين الناس، وانتشرت بين الشعراء، وحقّقت من الإقبال عليها ما لم تحقّقه أيّة بديعية أخرى في عصره، وربّما كان ذلك لما تضمّنته من نفحات دينية، لبست لبوس العصر المألوف من الزخرف والتلوّن والزركشة، بدليل أمرين، أوّلهما: أنّ ابن حجة عندما بلغ من الشهرة غايتها، ومن المعرفة والمقدرة الشعريّة والنثرية أوجها، يمّم نحو نظم البديعيّات ليدلي بدلوه فيها، مدلّلا بذلك على تمام شاعريّته واكتمال شهرته، وهذا ما دفع أصحاب المعرفة إلى أن يشهدوا له

بذلك، لتفوّقه ورسوخ قدمه في ميداني الأدب: الشعر والنثر وثانيهما: أنّ بديعيته كما رأينا سابقا كانت نتيجة لرغبة صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، محمد بن البارزيّ الجهنيّ، والذي رسم لابن حجّة بنظم قصيدة بديعية يعارض بها قصيدتي الموصليّ والحليّ، وأشار إليه بإرشاداته ولم يبخل عليه برأيه ونقده ليبزّ ببديعيته سابقتيها. وربّما كانت رغبة البارزيّ هذه بغية التقرب من جمهور الناس، والظهور أمامهم بمظهر التّقى في عصر كان يستهوي الناس مثل هذا المظهر، لما كان للمقياس الدينيّ من أثر في الفكر السائد آنذاك، وهذا ما يجعله يرتبط بمفاهيم النقد ومقاييسه في ذلك العصر. وإذا رأى أحدنا اليوم أن هذه البديعية كغيرها من البديعيات «صناعة من العبث، أضعفت من الشعر وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل» [1] فلأنّ مفاهيمنا النقديّة اليوم تختلف عن مفاهيم ذلك العصر، وإن كانت امتدادا لموروث ثقافيّ وبيئيّ واحد.

لذا فإنّ هذه البديعية قد وافقت بيئتها من ناحيتين على الأقلّ:

أولاهما: الحسّ الدينيّ الذي كان يسيطر على جميع طبقات الشعب.

وثانيهما: الذوق العام المائل إلى الزخرفة والتّنميق في كلّ شيء. وهذا ما جعل بديعيّته كغيرها من البديعيات تتطابق بما أتت به من ألوان بديعية مع الملامح الفنيّة السائدة في ذلك العصر. وليس غريبا بعد هذا أن يطلب ابن البارزيّ من ابن حجّة أن ينظم بديعيته ويعينه عليها ويرافقه في نظمها حتى النهاية [2] .

ومن هنا لم تبق بديعية ابن حجة مجرّد فنّ شعريّ، بل خرجت إلى دائرة النقد، وما ذاك القبول والإقبال عليها من قبل الخاصّة والعامّة إلّا موقف له دلالته النقديّة الواضحة.

ب موقف العامّة:

لقد اتّضح، من خلال موقف الخاصة من بديعيّته، أنه لولا حبّ العامّة لمثل هذا الفنّ وتعلّقهم به لما تقرّب ابن البارزيّ به إلى ابن حجّة، ولولا ذلك أيضا لما أقدم على نظمها، ولما جعلها غاية وذروة يتحدّى بها عميدي نظام البديعيات آنذاك

(1) الصبغ البديعي ص 372.

(2) انظر خطبة ابن حجة في خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 306304.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت