فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 1046

مشترك بين المحسّنات المعنويّة واللفظيّة، بغضّ النظر عمّا إذا كان في أحدهما قدر أكبر من الآخر. ثمّ إن التكلّف في تقسيم المحسّنات إلى لفظية ومعنويّة يلغيه الاضطراب الذي وقع فيه علماء البلاغة في تقسيم الكلام إلى بيان وبديع، فوضعوا الحدود للفرق بينهما دون أن يلتزموا بها عند التطبيق، وهذا الاضطراب مردّه إلى تداخل البيان الذي يختصّ بالمعنى بالبديع الذي يختص باللفظ، وهذا يؤكّد أن البلاغة لا تحصل إلّا لمن استكمل العلوم الثلاثة، كما أنّه ليس بمقدور أحد أن يفصل بين المعاني والألفاظ، وهذا ما دفع البعض إلى وضع الاستعارة والمجاز والتدبيج والكناية وتجاهل العارف والتشبيه وما أشبه ذلك في باب البيان حينا وباب البديع حينا آخر.

6 -علم البديع والبلاغة:

كانت الألوان البديعية تأتي في الشعر القديم والنثر عفو الخاطر دون تكلّف أو إعمال للفكر، بل كانت ممّا يستدعيه المعنى استدعاء، تصدر عن الشعراء فطرة وسليقة، وقد زخرت النصوص القديمة والمخضرمة بتلك الصور دون أن يعرف أصحابها أسماءها أو أقسامها.

وجاء العصر العباسيّ بحضارة جديدة سواء على صعيد الحياة الماديّة أو العقلية والفكريّة، فأمدّت الشعر بالخيال الخصب، والفكر العميق، والمعنى الدقيق، ولوّنته بألوان بديعة من التشبيه والاستعارة، وصبغته بأصباغ زاهية من الثقافة والفلسفة، ومزجته بحكمة الهنود وأدب الفرس.

وقد تنبّه الشعراء العباسيّون منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ إلى ما في شعر القدماء من طرائف «الصنعة» البديعيّة، فتناولوا البديع تارة مقتصدين كالبحتري وابن المعتز، وتارة تناولوه مفرطين كأبي تمام، وهذا ما جعل الجاحظ يضيف إلى معنى الجدّة والطرافة للبديع الاستعمال العلمي وذلك في روايته لقول الأشهب بن رميلة (من الطويل) :

هم ساعد الدهر الذي يتّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد

فقال: «قوله: «هم ساعد الدهر» ، إنما هو مثل، وهذا الذي تسمّيه الرواة

«البديع» (1) . ثم قال: «والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كلّ لسان، والراعي كثير البديع في شعره، وبشّار حسن البديع، والعتّابيّ يذهب في شعره في البديع مذهب بشّار» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت