فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 1046

وما يؤكّد اتصال جمال المعنى بالبديع قول عبد القاهر الجرجانيّ، وهو يتّجه ببصره إلى المعنى أثناء تناوله التجنيس: فالقبيح من الجناس هو الذي لم يزدك على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم لها فائدة فلا تجدها إلّا مجهولة منكرة، والحسن منه هو الذي يعيد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنّه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، وبهذا المعيار يعدّ التجنيس من حلى الشعر ومذكورا في أقسام البديع، ففضل التجنيس مرهون بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلّا معيب مستهجن [1] .

فالحسن والقبح في البديع ليس مردّه إلى اللفظ عند عبد القاهر، إذ إنّ الألفاظ ليس لها نصيب من الحسن، وإنّما العبرة بالمعنى الذي لا ينشأ إلّا عن النظم أو الأسلوب، فلذلك يميّز بين تجنيس قبيح وتجنيس حسن. وكما ينكر عبد القاهر التكلّف في البديع والولع به، فإنّه ينكر أن يتطلبه المعنى ثم نغفل عن ذكره، لأن المعنى هو الذي يقود إليه ويستشرف له، فإهماله في هذه الحالة شبيه بتكلّفه حين لا يدعو إليه المعنى، وإذا توافرت المحسّنات البديعية مع حسن النظم، يكون قد وقع الحسن من الجهتين، ووجبت له المزيّة بكلا الأمرين. وتراه يقول: «وعلى الجملة، فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا [2] .

فالبديع عند عبد القاهر إذا، لا يستقلّ باللفظ دون المعنى، وإنّما يذوب داخل النظم أو الأسلوب ليضيف إلى جماله جمالا، فيعمل عمل السحر في الكلام. فعلم البديع إذا، هو العلم الذي تعرف به المحسّنات الجمالية المعنويّة واللفظيّة، التي لم تلحق بعلم المعاني ولا بعلم البيان. والمحسّنات الجمالية المعنوية منه: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينة جمالية قد يكون بها أحيانا تحسين وتزيين في اللفظ أيضا، والمحسّنات الجمالية اللفظية منه: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينة جمالية لفظية، قد يكون بها تحسين وتزيين في المعنى.

4 -البديع بين الأدب والفنّ:

لا شكّ أن الصلة متينة بين البلاغة بأقسامها الثلاثة: المعاني والبيان والبديع،

(1) أسرار البلاغة ص 54.

(2) أسرار البلاغة ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت