وهناك مواقف صريحة من أنواع البديع ذاتها، ولمحات نقدية واضحة إذ كثيرا ما كان ابن حجّة يصرّح بجودة هذا النوع أو ذاك، واستحسانه له، وإعجابه به، أو يشير إلى أنه ما كان لينظمه إلّا سيرا على عادة غيره، أو لإلزامية المعارضة، وفي هذا كلّه لمحات نقديّة واضحة. ولابن حجة الحمويّ مواقف متميزة في هذا الأمر، إذ استحسن عددا من الأنواع البديعية واستهجن أخرى، وكان ممّا استهجنه نوع «المراجعة» إذ قال: «ليس تحتها كبير أمر، ولو فوّض إليّ حكم في البديع ما نظمتها في أسلاك أنواعه» [1] . وقال في نوع «التفويف» : «تأمّلته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة» [2] .
ومثل هذه الأمثلة كثير في شرحه، وقد جمع محمود رزق سليم منها الكثير في كتابه «عصر سلاطين المماليك» [3] ، وقد اجتزأت عن مجموعها ببعضها للتمثيل على هذه الظاهرة من اللمحات النقديّة المتنوّعة، التي لو ضمّت إلى غيرها من الظواهر النقديّة، فإنّها تساعد على توضيح ذاك الجانب النقديّ الذي كان أثرا من آثار بديعيته، ونتيجة طبيعية لها. وهذا كلّه يدلّ على أنّ هذا الفنّ الشعريّ لم يقتصر على نظم الأنواع البديعية، ولم يكتف «شرحها» بتعريف هذه الأنواع، بل كان لذلك كله أثر في نشأة حركة نقديّة واضحة المعالم، تمثلت في «شرح بديعيته» شكلا ومضمونا، وفي ما انبثق حولها من كتب ومؤلّفات [4] .
لا شكّ في أن للبديعية ولشرحها أثرا في البلاغة، باعتبار أن البديعية هي «فنّ» بلاغيّ، انبثق بادئ الأمر من فكرة بلاغية محضة، تبلورت مع الزمن، وشاءت عوامل عديدة أن تلبسها ثوب الشعر المطرّز بالمديح النبويّ وألوان البديع. أمّا ما تركته هذه البديعية من أثر في البلاغة العربية وما خلّفته من معالم في حياة هذا الفنّ، فيتمثل في الأمور التالية:
(1) انظر خزانة الأدب باب «المراجعة» 2/ 197.
(2) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب باب «التفويف» 2/ 247.
(3) انظر عصر سلاطين المماليك 6/ 201173.
(4) وانظر أيضا «ابن حجة الناقد» من ترجمته في مكانها من المدخل.