فيها متّبعا ترتيب ابن حجّة دون تقديم أو تأخير.
ومنهم أيضا حفني ناصيف الذي عرّف كتابه التعليميّ باسم «القطار السريع في علم البديع» ، وقد تحدّث عن سبب تأليفه فقال: «شكا لي بعض طلبة الحقوق صعوبة تحصيل علم البديع وكثرة نسيانه، وسألني وضع مختصر إن لم يحفظ على الغيب فإنه يوضع في الجيب، فأشرت عليه أن يحفظ بديعيّة تقيّ الدين، وتكلّفت له بشرحها شرحا وجيزا أختار فيه أرجح الأقوال وأصحّ التعاريف وأوضح الأمثلة بأبسط العبارات وآثرت هذه البديعيّة على غيرها لشهرتها بين الأدباء، وللإشارة فيها إلى أسماء الأنواع» [1] . وبهذا يبدو أنّ بديعية ابن حجة لم تعد منظومة وحسب، بل كانت فنّا شعريّا بلاغيّا أدبيّا، قامت حولها حركة واسعة من الشروح والمؤلّفات المتنوّعة في فنونها وفوائدها وموضوعاتها.
إن أحسن ما قيل في فوائد هذه المؤلّفات وقيمتها العلمية ما أطلقه محمود رزق سليم أثناء بحثه في شرح ابن حجّة، إذ استطاع أن يخمّن المقصود من نظم هذه البديعية وشرحها، فقال: «وما عليك إلّا أن تجمع تعريفاته البلاغية ومعها المثل أو المثلان، ثمّ تنحّيهما جانبا عن بقية «الخزانة» لتبدو لك بقيّتها مسرحا وضيئا متألّقا مليئا بجولات الأديب الذي فاضت صوره بالأدب اللباب، وسنح خاطره بالنقدات العذاب، وفيها ما فيها من حسن اختيار وسهولة عرض ودقّة تتابع وجمع للمتفرّق المتقارب» [2] .
إنّ هذا القول يوضّح أن ذاك الشرح وغيره من الكتب المنبثقة عن البديعية لم يتخذ من البديع ووجوهه إلّا مطيّة، يتوسّل بها ابن حجة عند النظم أو الشرح، ليحلّق على أجنحتها ويسير في رحاب ما زخر به صدره ووعاه عقله من فنون الأدب والمعرفة، ولذلك لا يمكننا أن نسمّي هذا الشرح إلّا بجنّة مدخلها «بديع» ، وكل ما فيها متنوّع بديع، وهذا ما جعلها بحقّ «خزانة للأدب وغاية للأرب» . ويكفي أن ننتقل إلى مضمون هذا الشرح لنجد مصداق ذلك، من خلال البناء العام الذي بني عليه، والذي يتمثّل في العناصر التالية:
(1) القطار السريع: المقدمة، ص 2.
(2) عصر سلاطين المماليك 6/ 165.