سبق أن أشرت إلى أن البديع كأثر فنّي كان موجودا في الأدب العربي منذ وجد الأدب، إلّا أنه كان سليقة لدى الأدباء العرب، ولم يكونوا يعرفونه بهذا الاسم، وإنما كانوا يطبّقونه في شعرهم وخطابتهم وأمثالهم وحكمهم ووصاياهم منذ العصر الجاهليّ أيّام كانوا يجتمعون في الأسواق والأندية الأدبية كالمربد وعكاظ، فنجد في أدبهم نماذج مختلفة من فنون البديع مبثوثة في ثناياه بطريقة عفويّة، لا تقعّر فيها ولا تكلّف، وقد ينظم الشاعر منهم القصيدة في شهر وينقّحها ويهذّبها في أشهر دون أن يكون للبديع أيّة عناية في تدبيجها وتنقيحها، أو في نقدها وتصحيحها، فكان الشعراء يتناشدون أمام زهير والنابغة ليحكما على جودة شعرهم أو رداءته، من خلال روايتهما له بمنظار هذا العلم، وإن لم يكونا قد عرفاه بعد كعلم له حدوده ومصطلحاته الخاصّة به.
وإذا انتقلنا إلى القرآن الكريم مع مجيء الإسلام نجد نصوصه في ذروة البلاغة من حيث معناها: «إصابة المعنى والقصد إلى الحجّة» ، و «حسن الإشارة وإيضاح الدلالة» ، فخير الكلام «ما ظرفت معاليه، وشرفت مبانيه، والتذّت به آذان سامعيه» [1] ، إذ إنّ الهدف من القرآن الكريم مخاطبة عقول الأمة والتأثير في وعيها، فإن جاءت الصورة البديعيّة في التعبير زادته خيرا على خير، وإن لم تأت فيه لم تنقص من بلاغته شيئا.
وإذا ولّينا وجوهنا شطر الأدب في بداية القرن الثالث الهجريّ وجدنا العناية بالبديع تكبر، وتصبح الألوان البديعية مقصودة لذاتها بدلا من أن تكون وسيلة، وغدا الأديب أو الشاعر يقتنصها أينما وجدها ويعنى بها أكثر من عنايته بالمعنى، فأخذ يتّجه اتّجاها لفظيّا أكثر من أن يتّجه اتجاها معنويّا، كما هو المقصود من رسالة الأدب عادة.
إلّا أنّ علم البلاغة، كغيره من العلوم التي نشأت بهدف بيان إعجاز القرآن الكريم وتيسير فهمه للعناصر غير العربية خاصة، أخذ يتطوّر ويتوضّح، حتى صار علما قائما بذاته، يعرف بعلم البلاغة التي تشمل اليوم العلوم الثلاثة: المعاني والبيان والبديع.
(1) أدب المجالسة وحمد اللسان ص 67، 69، 70.