فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1046

ويبدو أنّ هذا العلم «البلاغة» كان أعسر العلوم، ولكنه كان ألصقها بفهم المعجز من كتاب الله العزيز، والمبدع من أدب العرب، وإذا تتبّعنا تطوّره وجدنا أنه بلغ أوجه، أو كاد، في قرون عدة قبل عصر ابن حجّة، واتّسع كثيرا وتفرّع منه علم بلغ ذروته في عصر ابن حجّة، وهو «علم البديع» ، ولا سيّما عندما أسهم فيه نظّام البديعيّات وشرّاحها بالإضافة إلى المؤلّفين في البلاغة والعلوم المتّصلة بها.

ولا بدّ من أن نذكر أنّ علوم البلاغة هذه، قد مرّت قبل أن تتوضّح حدودها وتستقرّ مصطلحاتها، بمرحلة كان يطلق فيها على علم البلاغة اسم «علم البديع» الذي هو أحد أنواعها الثلاثة، إذ إنّه لم يعرف كعلم للبديع له تعريفاته وحدوده وتقسيماته وتفريعاته إلّا بعد صدر الإسلام بقرون. يقول الجاحظ في نشأة البديع وفي أوّل من افترعه في كتابه البيان والتبيين: «ومن الخطباء الشعراء ممّن كان يجمع الخطابة والشعر الجيّد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتّابيّ، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلّف مثل ذلك من شعراء المولّدين، كنحو منصور النّمريّ، ومسلم بن الوليد الأنصاريّ وأشباههما.

وكان العتّابيّ يحتذي حذو بشّار في البديع، ولم يكن في المولّدين أصوب بديعا من بشّار وابن هرمة» [1] .

وفي قول الجاحظ ما يدلّ على أن «البديع» نشأ في الأدب العربي منذ اختلاط الفكر والجهود بين العرب والفرس، وذلك بدليل اختلاط الأسماء العربية (العتابيّ والنمري وابن هرمة) مع الأسماء الفارسيّة (بشّار وابن الوليد) ، وهذا يبيّن أنّ البديع مذهب عباسيّ تضافرت فيه جهود مجموعات مختلفة من الشعراء العرب والفرس، وإن كان العباسيون يردّونه إلى مصادر عربية خالصة، كما ورد في قول الجاحظ:

«والبديع مقصور على العرب» [2] .

إلّا أنّه جاء في العمدة: إنّ مسلم بن الوليد هو أوّل من تكلّف البديع من المولّدين وأخذ نفسه بالصنعة وأكثر منها، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبله إلّا النبذ اليسيرة [3] . وجاء في الأغاني أنّه أوّل من أطلق هذا المصطلح، ووضع مصطلحات

(1) البيان والتبيين 1/ 51.

(2) البيان والتبيين 4/ 56.

(3) العمدة 1/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت