فكان أوّل من فصل بين علم البيان وعلم المعاني، ثم أشار إلى أنّ هناك وجوها أو محسّنات، كثيرا ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، وهي قسمان:
قسم يرجع إلى المعنى وقسم يرجع إلى اللفظ [1] . وهذا يعني أن «علم البديع» ما زال عنده مشتركا مع علمي المعاني والبيان.
ثم جاء بدر الدين بن مالك فسمّى هذه الوجوه التي ترجع إلى المعنى واللفظ «علم البديع» فكان أوّل من أطلق هذا المصطلح على هذه المحسّنات البديعية [2] ، وقسّمها ثلاثة أقسام، كما رأينا سابقا.
إلّا أنّ أبا الفرج الأصبهانيّ ذكر أنّ الشاعر العباسيّ مسلم بن الوليد كان أوّل من أطلق هذا المصطلح، إذ قال: «وهو، فيما زعموا، أوّل من قال الشعر المعروف ب «البديع» ، وهو لقّب هذا الجنس البديع واللطيف، وتبعه فيه جماعة، وأشهرهم فيه أبو تمام الطائيّ، فإنّه جعل شعره كلّه مذهبا واحدا فيه [3] .
ثمّ جاء الخطيب القزويني وفصل «البديع» فصلا تامّا عن البلاغة التي جعلها محصورة في المعاني والبيان، فأخذ معه «البديع» المعنى العلميّ الذي بقي سائدا إلى الآن وهو عنده ضربان:
ضرب يرجع إلى المعنى وضرب يرجع إلى اللفظ، إلّا أنّه جعله تابعا لعلمي المعاني والبيان، لا ينفصل عنهما [4] .
ومهما يكن من أمر تبعية البديع لغيره من علوم البلاغة أو عدم تبعيته لها، فهو ما يزال متسنّما ذروة البلاغة حتى عدّه قوم أنه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم وما انفصال علوم البلاغة عن بعضها إلّا افتعال، بل إن ألوان البديع هي في الصميم من البلاغة، وقد سبق أن بيّنت أنّ البلاغة لا يمكن أن تحصل إلّا لمن استكمل العلوم البلاغية الثلاثة، ولقد كان الزمخشري على حقّ حين سمّى «البيان» و «البديع» ب «علم البيان» في كثير من كلامه مقتديا في ذلك بقول عبد القاهر الجرجاني الذي جعل «البيان» و «البديع» كلمتين مترادفتين [5] .
(1) مفتاح العلوم ص 200.
(2) المصباح ص 75.
(3) الأغاني 19/ 36.
(4) الإيضاح ص 287والتلخيص ص 347.
(5) بديع القرآن ص 2726.