فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1046

هم ساعد الدهر الذي يتّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد

فقال: «قوله: «هم ساعد الدهر» ، إنما هو مثل، وهذا الذي تسمّيه الرواة

«البديع» [1] . ثم قال: «والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كلّ لسان، والراعي كثير البديع في شعره، وبشّار حسن البديع، والعتّابيّ يذهب في شعره في البديع مذهب بشّار» [2] .

وهذا يعني أن الجاحظ كان قد أطلق لفظ «البديع» على طريف الاستعارة في «ساعد الدهر» ، ويروي ذلك عن الرواة، أي رواة الشعر، فالتسمية ليست له، بل هي لرواة الأدب، وظهرت أوّل ما ظهرت على لسان الشعراء. ويؤكد هذا ابن المعتز في كتابه «البديع» ، إذ ذكر أن هذه التسمية من وضع الرواة والشعراء المولّدين، فقال في مقدّمة كتابه «البديع» : «قد قدّمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدّمين من الكلام الذي سمّاه المحدثون «البديع» ليعلم أنّ بشّارا ومسلما وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفنّ ولكنّه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم فأعرب عنه ودلّ عليه» [3] .

وقد أطلق ابن المعتز هذا المصطلح «البديع» على الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، وردّ العجز على الصدر، والمذهب الكلاميّ وكان أوّل من جمعها تحت اسم «البديع» في كتابه المذكور، ولعلّ محاولته هذه هي أول محاولة علميّة جادّة في ميدان «علم البديع» .

ومن هنا نرى أن الجاحظ وابن المعتز قد التقيا في إطلاق مصطلح «البديع» على فنون البلاغة المختلفة بأنواعها. ثم خطا خطوتهما قدامة بن جعفر الذي يرى أن ألوان البديع هي البلاغة، وفي ذروة الحسن منها [4] وأبو هلال العسكري [5] ، وإن كان هذا الأخير قد أخذ عنده مدلول «البديع» في التخصّص، والابتعاد قليلا عن علوم البلاغة الأخرى إلّا أنّ مصطلح «البديع» ظلّ يتّسع في القرون الستّة الأولى للهجرة لكلّ أنواع علوم البلاغة بحسب وضعها الأخير: «المعاني والبيان والبديع» عند علماء البلاغة كابن سنان الخفاجي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهما، إلى أن جاء السكاكي

(1) البيان والتبيين 4/ 55.

(2) البيان والتبيين 4/ 5655.

(3) كتاب البديع ص 1.

(4) نقد الشعر ص 38.

(5) كتاب الصناعتين ص 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت