من جهة، وبين الأدب من جهة أخرى، إذ هي تستمدّ كامل شواهدها منه، وصلتها به كصلة الأدب بالتاريخ الذي يسجّل طرق الحياة الأدبية، إذ إنّ الأدب هو مسرح لعناصر البلاغة، لا يمكنها أن تظهر إلّا من خلاله. ومن الجدير بالذكر أن البديع كأثر فنّي موجود في الأدب العربي منذ عرف للعرب أدب، ففي شعر الجاهليين وخطابتهم وأمثالهم وحكمهم ووصاياهم نماذج من فنون البديع مبثوثة في سطور آدابه، إلّا أنّ هذه الألوان من البديع كانت تقع للشاعر أو الخطيب في أثناء نظمه للشعر أو تحبيره للخطبة عفوا دون قصد أو تقعّر، ولم يكن للبديع عنده عناية كبيرة أو صغيرة في تدبيج كلامه أو تنقيحه أما في القرآن الكريم فقد كان الهدف مخاطبة عقول الأمة والتأثير في وعيها، فإن جاءت الصورة البديعية في ثناياه زادته خيرا على خير، وإن لم تأت لم تنقص من بلاغته شيئا، ولكن إذا اتّجهنا ببصرنا نحو أدب القرن الثالث الهجريّ وجدنا العناية بالبديع تصبح مقصودة لذاتها، وغدا الشاعر يقتنصها ويعنى بها أكثر من عنايته بالمعنى نفسه، ولهذا أخذ الأديب يتجه اتجاها لفظيّا أكثر من أن يتّجه اتّجاها معنويّا كما هو المقصود من رسالة الأدب، فتحوّل الأدب بذلك إلى فنّ يجمع فنون البديع بدلا من أن يكون البديع وسيلة غايته الأدب، وخير مثال على ذلك تلك القصائد المسمّاة ب «البديعيات» والتي تدور في موضوعها الأساسي حول مديح الرسول، (صلى الله عليه وسلم) ، فقد تحوّلت في موضوعها هذا من المديح إلى فنّ استعراضيّ يشمل أنواع البديع ما حسن منه وما قبح، اللفظيّ والمعنويّ، متّخذة من المديح النبويّ مطيّة ووسيلة إلى غاية لم تكن في الأصل مقصودة بذاتها.
ويتضح مما سبق أن البديع كأثر فنّيّ كان موجودا منذ وجد الأدب، ولكن وجوده كعلم للبديع فيه التعريفات والحدود والتقسيمات والتفريعات تأخّر إلى ما بعد صدر الإسلام بقرون. وقد تنبّه الشعراء بصفة خاصّة إلى الأثر الذي يتركه هذا البديع فأولعوا به واستخدموه في أشعارهم باعتباره وسيلة للوصول إلى هذه الغاية، فقد استعمله بشار بن برد، ومسلم ابن الوليد، وابن الروميّ، والبحتريّ، حتى أصبح غاية في ذاته على يد أبي تمام. ومن هنا راح الشعراء يتفنّنون في صبغ أشعارهم بالصبغة البديعية، كما تفنّن الكتّاب في توشية عباراتهم بالزينة اللفظية، فكانت غايتهم أن يقولوا كلاما حسنا بديعا في أسلوب شائق جميل، يأتي عفوا بلا تكلّف، فاجتمعت لديهم صور بيانية من تشبيه واستعارة وكناية، إلى جانب محسّنات بديعيّة من جناس
وطباق ومقابلة، بعضها يؤازر بعضا، فأطلق عليهم النقاد شعراء البديع، كما أطلقوا على أداتهم في التعبير اسم «البديع» ، وأصبحت السمة المميّزة لعصر التجديد الذي استهلّه بشار، ومسلم ابن الوليد، وأبو نواس، ثم أبو تمام، هي البديع، فتغيّر بذلك وجه الشعر تغيّرا كاملا، وغدا البديع من مميزات الشعر وحسناته وليس من سيّئاته، ولا سيّما عند أصحاب مدرسة التجديد برئاسة أبي تمام، إذ كانت هذه المدرسة صاحبة مذهب في الشعر، فأفرطت في توشيته بالزخارف اللفظيّة والمحسنات البديعيّة، فخرجت عن مدرسة عمود الشعر التي يمثّلها البحتري، وأدّت إلى ظهور علم جديد هو علم البديع، وبهذا غدا الشعر عند العرب فنّا أو صناعة لها قوانينها التي تتحكّم في الشكل والإطار الخارجيّ، لذلك كان اهتمام العرب بالجمال الشكليّ لا يقلّ عن اهتمامهم بالمضمون، فتحوّل مجرى الأدب العربيّ في عهد التجديد إلى زخارف لفظية خالية من كلّ معنى عميق أو إحساس صادق إلّا أنّ الشكل لم يكن دائما قليل الجدوى، فهو من خصائص الشعر، إذ إنّ الذي يميّز الفنّ عن غيره هو الشكل، فلو انهار الشكل، لم يعد الفنّ فنّا، فالمحسّنات البديعية إذا، لا تكون في يد الأديب الماهر مجرّد ألفاظ خاوية عقيمة من كل معنى، وإنّما تتحوّل على يديه إلى شيء ذي قيمة عظيمة إذا أحسن استخدامها، وأتى بها لتؤدّي دورا في إفادة المعنى، فيزداد الأدب بها شرفا وفضيلة. ولعلّ النقاد في عصرنا الحديث قد زهدوا في البديع وهاجموا أصحابه لما انتهى إليه حال الشعر العربي قبل حركة البعث الحديثة على يد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهما ممن أنقذ الشعر العربي من تلك الهوّة السحيقة التي تردّى فيها منذ أواخر العصر العباسيّ إلى حركة البعث الحديثة (1) .